تسترجع أمتنا بعضاً من أجواء نصرها العظيم على العدو الصهيوني في حرب اكتوبر المجيدة، وتُرطب طقسها الحار بنسائم العبور في السادس من اكتوبر عام 1973، وتنفض الغبار عن صور الأبطال الذين على أيديهم تحطمت الأسطورة وانهارت نظريات الأمن الاسرائيلي، ودفنت تحت حطام وأنقاض حائط بارليف، وانتصبت فوقه ساريات تحمل العلم العربي، وتطهرت الأرض من الدنس الهمجي الارهابي، في جولة من جولات صراع ممتد. ونتذكر مع ذكرى حرب اكتوبر بعضاً من لحظاتها التاريخية، التي جسدت تحولاً تاريخياً، وكشفت عن مكنون القوة، ومعدن الارادة، ووحدة الصف العربي، التي ما ان تتحقق تجلب معها كل أسباب النصر على جبروت وآلة العدو، وإن أحيط بكل دعم من الكفيل الدولي للارهاب الصهيوني. في حرب اكتوبر 1973 أو العاشر من رمضان، عبرت الأمة ليس من ضفة قناة السويس الغربية إلى ضفتها الشرقية، بل عبرت من ضفة الانكسار والهزيمة التي فرضت عليها في مؤامرة دولية إلى ضفة النصر واستعادة الكرامة، في معركة تحرير الأرض والقرار والارادة. ولمن لم يعايشوا تلك الفترة المفصلية من تاريخنا، ولم يعانوا مرارة الهزيمة، ويتجرعوا علقم تكالب القوى الكبرى، على أمتنا بعد نكسة الخامس من يونيو 1967، في محاولة لتركيعها واجبارها على القبول بالأمر الواقع، نقول ان الجندي العربي كان الأكثر تجرعاً لتلك المهانة، التي فرضت عليه دون تقصير أو ذنب اقترفه، بل كنتيجة لأهداف الطامعين في تحطيم كل امكانية لنهوض عربي، أو الدخول في مشاريع وحدوية، أو المجاهرة ببناء وطني مستقل. في السنوات الست الفاصلة ما بين ضفة الهزيمة ومرفأ الانتصار، كانت أمتنا أشبه بمرجل يغلي، أو بوتقة تنصهر داخلها ما يمكن تسميته بروح ستعود متألقة مع أول قدم تطأ شبراً يتحرر من دنس الصهيونية. وليس غريباً ان تتغير مع أول طلقة في حرب العبور سلوكيات الشارع العربي، وتتلاقى على ايقاع الحرب، ففي القاهرة انصهر الشارع والبشر وتوحدوا في شخصية لا تعرف الانانية، بل تكرس نفسها لما هو أسمى منها .. «الوطن» وكان من السهل ان تراقب اختفاء سلوكيات عارضة في وسائل المواصلات العامة، حيث عادت الاريحية وانكار الذات والتراحم حتى الخارجين على المجتمع، نبذوا أعمالهم الشيطانية فلم تسجل حوادث نشل أو سرقات أو مشاجرات من تلك المألوفة في الحياة اليومية، وبدلاً من الطوابير أمام مجمعات السلع في شهر رمضان، استطالت طوابير المتبرعين بالدم، والراغبين في التطوع ضمن قوات الدفاع المدني. وأكثر من هذا ومثله حدث في كل العواصم العربية، التي لم تبخل بالتسابق لدعم المقاتل في الجبهتين المصرية والسورية. على ان أهم ما أظهرته حرب اكتوبر هو وحدة ايقاع الحياة العربية، وضبطها التلقائي على بوصلة الأمة الواحدة، حيث تلاشت كل الحواجز المصطنعة، وعاد يقين اننا أمة عربية جسدها واحد، وان تباعدت اطرافه، وتكوينها يربطه من العوامل اكثر مما يفرقه بفعل التدخلات الخارجية، وما ان تدق ساعة التحدي، وتنطلق الروح تتلاقى الأطراف ويحركها هدف موحد ضارب بجذوره في عمق تاريخها. وان مرت على ذكرى حرب العبور نحو 28 عاماً، جرت خلالها مياه كثيرة تحت الجسر، بعضها رائق عذب وبعضها ملوث أجاج، فإن العبق ما زال باقياً، رغم تكاثر المحاولات لتجريف الانجاز التاريخي، وسرقة النصر سياسياً، من خلف ظهر المحارب العربي. ويكفي ان روح المقاومة وتحدي المشروع الصهيوني مازالت متأججة وحية في صدور أجيال جديدة، رغم ضراوة الحملة لتجريم الامساك بيقين عروبة فلسطين. ولأن تاريخنا، موصولة حلقاته، فإن انتفاضة الأقصى، وطفل الحجارة، والشهداء: محمد الدرة، إيمان حجو وغيرهما، يمثلون أحدث تجلي واستمرار كوكبة أبطال اكتوبر وما سبقها: الشهيد عبدالمنعم رياض، والشهيد أحمد حمدي، وعبدالعاطي صائد الدبابات، وغيرهم من أبطال حرب الشوارع في السويس الذين أحبطوا مؤامرة الارهابي ارييل شارون، مثلما يفعل أطفالنا الآن في حواري القدس والخليل.