بعد سنوات طويلة من دخوله عالم النسيان عاد ظاهر شاه ملك افغانستان المخلوع الى بؤرة الاحداث في أعقاب ما شهدته الولايات المتحدة الامريكية فيما يعرف بالثلاثاء الدامي الذي دفع قطب العالم الوحيد الى حشد كل قواه وحلفائه من اجل اسقاط نظام حكم طالبان، ومن ثم اعادة الحكم الملكي للبلاد، ووسط الاستعدادات المكثفة التي تقودها امريكا لمهاجمة افغانستان عادت سيرة الملك المخلوع ظاهر شاه لتفرض نفسها على احتمالات عودته للحكم بعد 28 عاماً من المنفى وفقدان الصولجان اثر الانقلاب الذي قاده ابن عمه عام 1973 ليطيح به ويعتلي السلطة في حكم لم يدم طويلاً اذ قتل بانقلاب عسكري دخلت افغانستان بعده في صراعات وحروب خارجية وداخلية لم تعرف معها افغانستان اي نوع من الاستقرار. ومع تفاقم حالة عدم الاستقرار السياسي وبالتالي تزايد الاوضاع الاقتصادية سوءاً بسبب الفقر المدقع تارة والخلل السياسي تارة اخرى فإن أحداث البلاد قد تجمدت وبقيت كما هي جبالاً وصحارى وجفافاً وبيوتاً متواضعة من الطين وعدا ذلك لا شيء سوى كل ما هو بدائي ومتخلف لم يدرك من التطور والمدنية شيئاً. وتؤكد الصور الحية التي تبثها شاشات التلفزة في نشراتها الاخبارية وغيرها ان افغانستان تعيش زمناً آخر غير الذي تعيشه بقية دول خلق الله شرقاً وغرباً، ولسنا هنا بصدد الحديث عن هذا الزمن وأحوال الناس هناك، فذلك امر شرحه يطول. ويبدو ان الرغبة في الحديث عن ملك افغانستان السابق هي التي قادتنا الى اشجان تلك البقعة المسلمة الفقيرة. فهذا الملك الذي ترك افغانستان منذ ما يقارب الثلاثين عاماً واختار ايطاليا منفى واصبح في حكم المنسي بالنسبة لأبناء شعبها ولغيرهم، هذا الملك المخلوع برز من جديد على السطح ليسمع شباب الجيل اسمه يتردد بشكل يومي خلال المتابعات الاخبارية حول الأحداث الاخيرة ولنجد انفسنا نحن الذين لم ندرك حكم هذا الرجل في موقف الاشفاق عليه منذ اول ظهور له على الشاشة بعدما ترددت الأنباء عن وجود نية امريكية لاعادته الى الحكم وهو الامرالذي نلوم عليه قوى التحالف لأنها بما تعتزم القيام به من اعادته للسلطة انما تسبب اقلاقاً لهذا الرجل العجوز سوف يحرمه من النوم، وقد بلغ من العمر عتياً والأعمار بيد الله. ولكن وجه تساؤلنا لما يخطط له التحالف يستند الى سؤال مهم يقول: ترى ماذا في وسع هذا العجوز الاصلع الذي بالكاد تقدر قدماه على حمل جسمه الهزيل ويداه ترتجفان برداً ووهناً، نقول ماذا يستطيع ان يقدم لشعبه البائس وبلده الفقير الذي يحتاج لمن ينقذه مما هو فيه ويعيد إليه حياة الهدوء والاستقرار التي باتت من أعز احلامه. ومع تتابع الصور المنقولة من منزل ظاهر شاه في ايطاليا وقد لاحظنا انها جميعاً قد حولت الحال الى نقيضه اذ عادت الحيوية الى أوصال هذا العجوز خلال ايام معدودة على اعلان احتمال عودته للحكم وكأن بريق الحلم بالعودة الى السلطة يصبح له مفعول السحر على أي موعود بنيلها، ولا نظن طبعاً ان نشوة الحنين الى الوطن هي التي اعادت الملك العجوز الى سن الشباب، مع اننا نؤمن كغيرنا بالمثل الذي يقول: من خرج من داره قلّ مقداره، ونرى ايضاً ان عزة المرء وعزوته في وطنه وبين أهله لكن هذا قد يأتي في الدرجة الثانية بعد السلطة طبعاً. وأياً كانت اسباب عودة الشباب الى نفس ووجه هذا الرجل الذي قارب التسعين فإن السؤال هنا هو: هل في امكان ظاهر شاه او الملك ظاهر وهو البعيد عن كرسي الحكم منذ سنوات ان يفعل شيئاً يتمناه الافغان بالفعل كأن يجمع شتاتهم بعد سنوات النزوح واللجوء ويضع نهاية للحرب التي انهكت شعباً فقيراً بائساً فتعود الحياة من جديد الى افغانستان التي اصبحت رمزاً للقحط والمحل وللتهجير والشتات هنا وهناك على حدود كثير من بلاد الله. وهل سيسعف الوقت والزمن هذا «الشيبة» وما تعلمه في سنوات نفيه من مبادئ الحرية واحترام الرأي الآخر من تحقيق الديمقراطية لأفغانستان المتأججة بالنيران والملغومة بأنواع القنابل الموقوتة وغير الموقوتة التي قد تنفجر في أية لحظة فتحيل الحياة رماداً. ترى هل سينجح التحالف الشمالي في تشكيل حكومة انتقالية والوصول بهذا البلد مترامي الاطراف الى بر الأمان؟ وهل سيتمكن من وقف نزيف الكرامة والانسانية هناك؟ وتحقيق حلم التوحد على حب افغانستان والعمل لمصلحتها فقط في ظل حكم ليس مهماً ان يكون ملكياً او جمهورياً او حتى طالبانياً، فهذا كله لا يهم لأن الأهم لدى هذا الشعب ان يستقر داخل حدود وطنه وان يأمن ابناؤه على انفسهم وان يتوفر له الحد الادنى من لقمة العيش اما بقية الاحلام كالرفاهية ورغد العيش والتي تتطلع شعوب كثيرة الى تحقيقها فإن الشعب الافغاني قد تخلى منذ سنوات بعيدة وبات يحلم فقط بحد الكفاف ومعها ادنى درجات الاستقرار، وهذا ما ينتظره الشعب من مليكه السابق ان عاد. Email: fadheela@albayan.co.ae