قد نحتاج لبعض الوقت لكي نستيقن ما اذا كانت حكومة السودان بتعهدها بالتعاون الأمني مع الولايات المتحدة قد تخلت عن سيادتها لواشنطن. والى ان يتبلور ذلك الاستيقان على نحو او آخر فان من المتاح راهنا تفحص المسلك السياسي للحكومة السودانية تجاه الولايات المتحدة منذ احداث 11 سبتمبر الامريكية التي ذهبت بآلاف الضحايا وخلفت بتداعياتها الداخلية والخارجية مناخا دوليا جديدا. هذا المسلك السوداني الرسمي يمكن حصره في بندين رئيسيين: ـ شجب احداث التفجير التي طالت الاهداف الامريكية ودمغها باعتبارها «اعمالا ارهابية»، مع ازجاء تعزية ومواساة رسمية من الخرطوم الى واشنطن. ـ تعهد سوداني رسمي بالتعاون في «الحملة الدولية لمكافحة الارهاب» التي ابتدرتها الولايات المتحدة. وباستثناء العراق فان هذا النهج السوداني هو نفس النهج الذي سلكته جميع الدول العربية والاسلامية الاخرى .. بل وكل دول العالم بما في ذلك دول مثل ايران وكوريا الشمالية. هذه هي الصورة الاجمالية العريضة. ولكن مع تأمل التفاصيل نجد ان هناك اختلافات بين دول واخرى. فبينما عمدت بعض الدول الى اعطاء واشنطن «شيكا على بياض» فان الاغلبية قرنت تعهدها بمكافحة الارهاب العالمي بشروط. واهم هذه الشروط مايلي: ـ الاتفاق اولا على تعريف ماهو الارهاب. ـ الا تشن حملة لمكافحة الارهاب الا تحت اشراف الامم المتحدة ( لا ان تنفرد الولايات المتحدة بترتيبها وقيادتها والسيطرة على مسارها بما يلائم الاهداف الذاتية الامريكية فحسب). ـ عدم تأييد اي عملية عسكرية تقوم بها الولايات المتحدة ضد اسامة بن لادن و «شبكته» ونظام طالبان في افغانستان، مالم تبرز واشنطن ادلة قانونية قاطعة تثبت ان ابن لادن الذي تؤويه طالبان متورط فعلا في تدبير الهجمات التي طالت نيويورك وواشنطن. والسودان من بين غالبية الدول العربية والاسلامية التي اعلنت هذه الشروط. لقد نفت الحكومة السودانية تلك التقارير الاخبارية المبتسرة التي اوردتها صحيفة عربية كبرى عن اشياء مثل موافقة الخرطوم على منح الولايات المتحدة تسهيلات عسكرية وتسليم اشخاص مشتبه بهم بناء على قائمة اسماء امريكية. لكن مع هذا النفي فان حكومة السودان تقر بأمرين هما: اولا: ان السلطات السودانية اعتقلت بضعة اشخاص (لم تحدد هويتهم) «للاستجواب». ثانيا: انها زودت السلطات الامريكية بمعلومات عن بنك يعمل في الخرطوم يملك النسبة الاكبر من رأسماله اسامة بن لادن. هذان الحدثان جديران بوقفة تنطوي على عدة تساؤلات استفسارية: لماذا جرى اعتقال اولئك الاشخاص .. وهل هم سودانيون ام اجانب؟ وهل لاعتقالهم علاقة بأحداث التفجير في الولايات المتحدة؟ وهل سيقدمون الى محاكمة عادلة تتاح فيها فرصة كاملة للدفاع عن النفس؟ ام هل سيتم تسليمهم الى الولايات المتحدة؟ وماهي طبيعة المعلومات التي قدمت الى السلطات الامريكية بشأن «بنك الشمال الاسلامي»؟ هل هي معلومات تجريمية ام هي شهادة تفيد بنظافة سجل البنك من اي معاملات مشبوهة؟ ان الاجابات الكاملة لهذه الاسئلة وامثالها هي التي تمكننا من تحديد ما اذا كانت حكومة السودان تصرفت على اساس متطلبات القانون الدولي ام على اساس محاولة كسب الود الامريكي على حساب السيادة الوطنية. والى ان تتوافر هذه الاجابات الكاملة فانه ليس من الانصاف اصدار حكم في هذا الاتجاه او ذاك.