في الأسبوع الأول من شهر يناير 2001 صدر عن مجلس المخابرات القومي الأمريكي تقرير تحت عنوان (اتجاهات عالمية من اليوم إلى غاية 2015)، وهذا المجلس هو أعلى سلطة استخبارات أمريكية إذ يجمع في صلبه رؤساء مختلف الأجهزة المخابراتية الظاهرة والباطنة وبخاصة السي آي ايه ومركزية المخابرات العسكرية التابعة للبنتاجون ووكالة الأمن القومي إلى مكاتب الاستخبارات التابعة لوزارة الخارجية وهو مجلس يتقدم بتقاريره ونصائحه وقراءته للأحداث إلى أعضاء المجلس القومي للأمن الذين ترأسهم اليوم كندليزا رايس. وعمل مجلس المخابرات القومي يقوم على التحليل، أي تحليل ما يصل إليه من معلومات ووثائق بقصد الرصد والتوقع وتقديم السيناريوهات المحتملة للإدارة الامريكية حتى لا تفاجأ. ولكن الذي وقع في هذا الحدث الجلل هو ان أمريكا كلها وليست حكومتها فقط فوجئت بالرغم من التوقعات وقد نشرت هيرالد تريبيون في عددها الصادر يوم 11 يناير 2001 فقرات من التقرير تحت عنوان (أمريكا تتخوف من غزو كيماوي أو بيولوجي) لكن التوقعات كانت تذكر الصواريخ وليس الطائرات المدنية رغم ان هناك إشارة إلى سيناريوهات غير تقليدية وربما مستحدثة. وفي هذا العدد من هيرالد تريبيون يقول أحد أعضاء هذا المجلس وهو جون كانون: هذا التقرير جعلنا متفائلين بمستقبل بلادنا في المجالات الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية والدبلوماسية، بالرغم من وجود أوضاع اضطرابات وعدم استقرار في الصين وروسيا والشرق الأوسط واليابان والهند، ويضيف جون كانون قائلا: إن موقف الولايات المتحدة سيكون قويا في عام 2015 وان الاقتصاد العالمي الذي تقوده تكنولوجيا المعلومات سينتفع كثيرا من قوتنا، ولكن التحدي الكبير الذي سنواجهه يتعلق بالكيفية التي سنتعامل بها مع الدول التي تشعر أنها قد أهملت من قبلنا خاصة في إقليم الشرق الأوسط». وبهذا نرى مستوى وعي بعض أعضاء المجلس بحقيقة إهمال بعض الدول ـ في الواقع بعض الشعوب ـ في الشرق الأوسط رغم أنه لا يشير بالاسم إلى شعب فلسطين، والحال أن الكلمة الصحيحة ليست هي الإهمال بل أخطر من ذلك فالموقف الأمريكي لا يتمثل في إهمال شعب بل تزوير قضية عادلة وإطلاق يد السفاح شارون لإبادة شعب مسالم غير مسلح يتحمل أفظع مظلمة وقعت في القرن العشرين وتتواصل هذا القرن بمرأى ومسمع من واشنطن راعية القضية منذ مؤتمر مدريد وراعية إسرائيل منذ نشأتها عام 1948. وبعد أن يتخوف التقرير من هجمات كيماوية أو بيولوجية تشنها ما سماه التقرير قوى خفية إرهابية منظمة شرع يستعرض الخارطة الا ستراتيجية للعالم في آفاق العام 2015 فيقول التقرير حسب هيرالد تريبيون ما يلي: سوف يتشكل العالم بعناصر جديدة هي: أ ـ قيام تحالف جيوا ستراتيجي بين الصين وروسيا والهند لموازنة النفوذ الأمريكي. ب ـ انهيار التحالف الأمريكي الأوروبي نتيجة للخلافات التجارية والسياسية والنزاع في ما بينهما حول إدارة الأزمات الأمنية العالمية. ج ـ تشكيل ائتلاف للحصول على أسلحة كيماوية وبيولوجية وحتى نووية. د ـ حدوث اضطرابات وقلاقل خطيرة في الشرق الأوسط نتيجة انهيار مستوى المعيشة في معظم الدول العربية وفشل الفلسطينيين والإسرائيليين في التوصل إلى اتفاق سلام في ما بينهم. هذه التوقعات منشورة على الرأي العام منذ تسعة أشهر والغريب أن الثلاثاء الأسود يعطي انطباعا ملحا بأنه إجابة أمريكية على هذه التحديات أو ضرب من ضروب استباق الحدث فهاهي القوة الامريكية في طريقها لاحتلال أفغانستان وتغيير نظام الحكم فيها مما يشكل «حلولا احتياطية» للتوقعات السابق ذكرها ولا بد من قراءة منطقية لما وقع يوم 11 سبتمبر على ضوء هذه التخوفات كيف ذلك؟ ـ التحالف المعلن بين الصين وروسيا والهند سيصبح مستحيلا جغرافيا وجغراسترتيجيا إذا ما وضعت أمريكا قدميها في أفغانستان. ـ التحالف الأمريكي الأوروبي لن ينهار بل سيقوى ويتدعم في حال قيام حلف عسكري وسياسي وأمني ضد ما يسمى الإرهاب. الضربة المعلنة ستقصم ظهر ما تراه أمريكا ائتلافا إرهابيا بصدد التشكل، حيث عزمت على محاربة أشباح مبثوثة هنا وهناك بدون تحديد أهداف عسكرية واضحة. ـ فيما يتعلق بالشرق الأوسط أي بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي سوف تغير الضربة الأمريكية المعادلة الشرعية الواضحة التي بدأت تخدم لحساب حقوق الشعب الفلسطيني وتحويلها كاملة لصالح الحل الشاروني الجائر والمنادي بإبادة شعب كامل له حقوقه. هذا هو التحليل الذي نراه ماثلا للعيان ويجب أن نفهمه نحن العرب المستهدفين بهذه العيون وبهذه البصيرة. أما الوثيقة الأمريكية الرسمية الثانية فهي جديدة والفضل في نشرها يعود لأستاذنا محمد حسنين هيكل في العدد الأخير من مجلة (وجهات نظر) وهي تمثل تقريرا قدمه فريق من الوزراء والخبراء الأمريكان للرئيس الجديد بوش الابن ويتعلق بنصائح للرئيس حول المواقف الضرورية المقترحة إزاء صراع الشرق الأوسط، وإذا اجتهدنا في تلخيص هذا التقرير المطول فإننا نعيد جملة في مقدمته تصف هذا الصراع بكتلة صخر مهولة انكسرت من الجبل وراحت تتدحرج وما تزال عشوائيا على سفوحه وهي توشك ان تنقض على الوديان والشطآن مهددة بدمار وخراب إلى درجة الكارثة هذا هو التوصيف كما وضعه التقرير على مكتب الرئيس بوش أما الحلول المقترحة لتلافي الكارثة المعلنة فهي باختصار: أ ـ العمل داخل الأمم المتحدة وخارجها ان لزم الأمر لصيانة مصالح أمريكا. ب ـ ضمان التفوق الإسرائيلي العسكري والتكنولوجي والمعلوماتي أمام كل طرف عربي لان الحلف مع إسرائيل هو الضامن للمصالح الامريكية بالدرجة الأولى. ج ـ يمكن إقامة علاقات عربية إسرائيلية وطيدة ومستديمة بتحييد التطرف أي في الواقع وفي لغة واشنطن تحييد المقاومة الشرعية للاحتلال وإضعافها. ويقول الأستاذ محمد حسنين هيكل حرفيا والكلام مكتوب في شهر يوليو 2001: في النهاية يظهر ان شهر سبتمبر وما يليه سوف يكون موعدا مشهودا ذلك ان الرئيس بوش قبل أن يتوجه إلى ولاية تكساس لإجازة شهر كامل خلال أغسطس حضر في الأسبوع الأخير من يوليو اجتماعا لمجلس الأمن القومي الأمريكي جرت فيه مناقشات مستفيضة لتقرير المجموعة الرئاسية عن أزمة الشرق الأوسط. وهكذا تتوضح للقاري العربي صور ناصعة عن الفكر الستراتيجي الأمريكي مباشرة قبل وقبيل الثلاثاء الأسود. ولعل هذه الجرائم ستسجل ضد مجهول حتى لو اجتهدت واشنطن في تلبيسها لمواطنين عرب ظهر أن أغلبهم يعيشون ويمارسون حياتهم وأعمالهم بعيدا جدا عن التطرف وبعضهم مات منذ سنوات وبعضهم أطفال لم يبلغوا العاشرة ! فما أبعد مواطنين سعوديين وإماراتيين وعرب عموما عن هذا الإجرام الذي لا يخدم مصالحنا ولا ينطلق من إسلامنا! ـ استاذ في قسم الاعلام بجامعة قطر