من يتابع كثيرا المقالات التي تنشر في الصحف العربية او يستمع الى معظم الفضائيات العربية تصيبه الدهشة مرات لا حصر لها، فهناك محاولات مستميتة للدفاع عن طالبان وعن اسامة بن لادن، مرة باسم الدفاع عن الاسلام ومرة باسم الدفاع عن الدول الاسلامية والخوف من تعرضها للضربة العسكرية. في البداية كنا نفهم الاسباب التي تدعو البعض للاكثار من الحديث عن المخاوف من وصم العرب والمسلمين بالارهاب، ومن ثم تحميلهم ثمن جرائم ارتكبها نفر منهم. لكن اليوم وبعد التأكيدات التي صدرت وتصدر عن القيادات الامريكية بما في ذلك الرئيس الامريكي جورج بوش من ان الاسلام دين سلام وتسامح، وليس دين ارهاب وقتل وان المستهدف من الحملة الامريكية ليس المسلمين وليس العرب، وانما جماعة ارهابية قامت بازهاق ارواح الالاف وتدمير الممتلكات. بل ان بوش نفسه وجه عدة نداءات لمواطنيه الامريكيين تدعوهم الى الكف عن توجيه اصبع الاتهام للعرب والمسلمين الامريكيين، رافضا اي اعتداء او معاملة تمييزية تلحق بهؤلاء بسبب الهجمات على مركز التجارة العالمي ومبنى البنتاجون. اقول بعد كل هذه التأكيدات، ماهو مبرر الحديث عن استهداف الاسلام والمسلمين، وماهو مبرر هذا الحشد غير العادي للفتاوى والكتابات والتغطيات الاعلامية التي ما زالت تصر على ان الحرب هي صدام حضارات وان الحملة الامريكية الموجهة ضد الارهاب، انما هي غطاء لضرب الاسلام! بل الغريب ان هناك من يتمنى حدوث ذلك فعلا، فيصر مثلا على ابراز كلمة وردت في حديث الرئيس الامريكي عن الحرب «الصليبية» رغم ان هذا الاخير تخلى عنها واعتذر، ولتبديد المخاوف وسوء الفهم ذهب لزيارة المساجد الامريكية في واشنطن ونيويورك والتقى بممثلي المسلمين الامريكيين وطمأنهم. اقول لا يبقى من مبرر سوى ان البعض يحاول استغلال اجواء الخوف والشعور بالخطر، التي تسود الشارع العربي والاسلامي، لخلط الاوراق واعادة الاعتبار للجناح الاكثر تطرفا في تيار الاسلام السياسي، الذي ظل حتى الآن معزولا وهامشيا. فمادام ان الحملة الامريكية تستهدف اسامة بن لادن، وما دام ان الحملة الامريكية في الوقت نفسه تستهدف الاسلام، اذن يصبح من المنطقي الحديث عن التماهي بين ابن لادن وبين الاسلام، ويصبح من السهل النظر الى ابن لادن باعتباره ممثل الاسلام المستهدف في شخصه، وهنا يكمن وجه الخطورة في هذه المحاولات. إمساك العصا من النصف يبقى ان هذا بعض مسببات الدهشة التي تصيب اي مراقب يتابع المقالات التي تنشر في الصحف العربية او يستمع الى الفضائيات العربية، لكن ثمة مسببات اخرى. من بينها ان دول العالم (الامريكتان واوروبا واجزاء واسعة من آسيا) تبدو في واد وما يطرح هنا في واد آخر. الدول الكبرى شرعت بالفعل في اتخاذ الخطوات الاولية لمكافحة الارهاب، ونحن لا نزال نبحث عن تعريف للارهاب ونطالب الآخرين بان يعرفوه أولا كي نرى بعد ذلك هل نقف ضده ام معه! وكأن كل ما حدث لايزيد عن مشكلة تعريفات! والدهشة الاخرى، هي اننا نطرح شروطا ومطالب على الآخرين تنفيذها، كما لو كنا في حالة مواجهة او مساومة، وهناك من يذهب ابعد، فيتصور انه مركز الكون الذي يجب على الآخرين ان يستمعوا الى نصائحه ويأخذوا رأيه على محمل الاهمية الحاسمة، فدائما هناك دعوات للتعقل ودعوات للتريث ويجب ان يفعل هذا ولا يفعل ذاك، حتى من دون بذل اي جهد لتفهم مشاعر الآخرين، كما لو انهم ملائكة او مثاليين، مع ان احداثا اقل جسامة من تلك التي حدثت في نيويورك وواشنطن تستثير في العادة غضبا ورغبة في الانتقام. واضافة لهذا هناك جدل لا ينتهي، يمكن تفهمه في الاوقات العادية، عن اسباب الارهاب ودوافعه وجذوره وحول السياسة الخارجية الامريكية واثرها في مراكمة مقادير الغضب لدى المواطنين العرب والمسلمين من الولايات المتحدة. وهذا التعامل النظري مع الاحداث وبما يحمل شبهة امساك العصا من النصف، كانت الحكومات العربية (ويا للمفارقة) ترفضه بشدة، وتعتبره ترفا لا يجب ممارسته، حينما كانت تواجه اعمال العنف والارهاب في شوارعها. وما يضاعف من دهشة المراقب هو الهلوسات التي تصدر بين حين وآخر ويتلقفها المواطنون العرب البسطاء، من نوع ان بارونات المخدرات في كولومبيا قرروا الانتقام من الولايات المتحدة لاعتقال بعض باروناتهم فضربوا مركز التجارة العالمي ومبنى البنتاجون، او ان ما حدث هو انتقام صربي، بالنظر الى ان الولايات المتحدة وحلف الاطلسي قصفوا يوغسلافيا خلال حرب كوسوفو، او ايضا ودائما العودة لاسطوانة اليمين المسيحي الامريكي الذي فجر احد متطرفيه (تيموثي مكفي) المبنى الفيدرالي في اوكلاهوما قبل اعوام، وقد نفذ فيه حكم الاعدام مؤخرا، واقول هلوسات لأني صراحة لا اجد توصيفا آخر لها ادق من ذلك. ويمكنني ان اتصور ان يغض الامريكيون الطرف او يمالئوا، في بعض القضايا، فهم في النهاية بشر مثل غيرهم، وليسوا منزهين. ولكني لا أتصور ان يكذبوا على انفسهم او على شعبهم وعلى العالم، فيدعوا ان مرتكبي الحوادث هم عرب او مسلمون بينما هم غير ذلك. أشد نفاقا يبقى ان المسألة الأهم باعتقادي من كل ذلك، هي لماذا ينبغي علينا ان نبرر اعمالاً ارتكبها اناس مجرمون؟ ولماذا نحاول ان نضع العرب او المسلمين في حالة دفاع عن النفس، في حين ان من قاموا بالتفجيرات هم مجموعات قليلة من العرب او المسلمين، لا يمكن لأحد ان يأخذ الجميع بجريرتهم؟ على العكس فان التبرير او الدفاع يعطي هؤلاء دعما لا يستحقونه، فيما يسلبنا أية ميزة اخلاقية او مصداقية نجهد للمحافظة عليهما. اقول ان هذه كلها امور تدعو للدهشة، في حين ان اي رؤية سليمة لحوادث الاصطدام التي وقعت في امريكا، لابد ان تترك شعورا طبيعيا لدى كل انسان بالفزع والغضب وضرورة ان ينال مرتكبوها ومن وراءهم قصاصهم العادل. فان تتعرض دولة لعمليات تفجير بهذه الصورة البالغة الشراسة والتي استهدفت رموز السيادة فيها، بما في ذلك التخطيط لضرب المقر الرئاسي نفسه (البيت الابيض)، وتسببت في مقتل اكثر من 7 آلاف شخص، عدا الجرحى والخسائر المادية الضخمة ... من الطبيعي ان اول ما يتبادر الى ذهن المسئولين فيها، هو شن الحرب وانزال العقاب، وتاليا العمل على عدم تكرار ما حدث. فما الذي ينتظر من دولة يكون هذا وضعها، وماذا نتوقع منها ان تفعل بالضبط، خاصة ان الاعتداءات جاءتها من خارج ارضها، ومن جماعات تجاهر علنا وتهدد ليل نهار بضربها. هل يجب على هذه الدولة ان تجلس كي تفكر وتغرق نفسها في بحر من الاسئلة من قبيل: لماذا حدث ما حدث، وماهي اسبابه وهل ان سياستها الخارجية كانت السبب وكيف يمكن تغييرها .. ثم تبدأ في تشكيل اللجان وهيئات البحث العلمي والاجتماعي كي يبحثوا ويخرجوا دراسات ومؤلفات في كيفية تشكل الارهاب واي البيئات الخصبة التي يترعرع فيها، وكيف يمكن تقليل آثاره بعد عشر سنوات او عشرين سنة، وماهي الوسائل الكفيلة بذلك .. الخ .. هذا في حين يفلت الجناة ومن وراءهم من العقاب وينعمون بالحرية ويفاخرون بما حققوه، ويقوموا من جديد بالتخطيط لعمليات اخرى اكثر في الخسائر البشرية والمادية! يبدو ان هذا ما يتمناه كثير ممن يتعاطون الشأن الاعلامي وربما السياسي في بلداننا، ولكن لحسن الحظ ان ما كل ما يتمناه المرء يدركه، وان ما حدث يوم الحادي عشر من سبتمبر لم يغير امريكا فحسب، ولكنه سيغير العالم ايضا. ان الكثيرين يقرون بأن على امريكا ان تبحث عن الفاعلين وتعاقبهم، ولكن عندما تشرع امريكا في ذلك، يظهر الحديث عن ضرورة التريث والطعن في جدوى العمل العسكري وعدم جواز ضرب بؤر الارهاب التي تؤوي الفاعلين وهذا لا يتماشى مع الواقع. ـ كاتب من البحرين