تعيش افغانستان في السنوات الاخيرة، ولا تزال، في حال تقارب الحياة في العصر البرونزي، فملامح الواقع الذي يسود المجتمع الافغاني تجمع بين البدائية المفرطة والفقر المريع والانعزال القاسي عن العالم الخارجي، ولم تكن هذه الحياة التي تعد من اشد اشكال الحياة على وجه الارض بؤسا وقسوة، الا محصلة السياسات التي انتهجتها الحكومات المتعاقبة في هذا البلد المنكوب منذ فترة غير قصيرة، متلازمة مع طموحات الدول المجاورة التي شهدت ارض افغانستان صراعا ضاريا على النفوذ والسيطرة فيما بينها. هذا الواقع البائس قد بلغ ذروته، وضرب اطنابه في ارجاء افغانستان في عهد ميليشيات طالبان التي نجحت في شيء وحيد هو عزل الشعب الافغاني عن العالم، بعد ان كانت كابول تعرف بشوارعها الفسيحة وحدائقها المزدهرة وبناياتها الجميلة، تحولت العاصمة ـ ناهيك عن البلاد قاطبة ـ الى فضاء مهجور وخرائب لا تعيش فيها الا الغربان. والمفارقة ان تبني حركة طالبان لمجموعات الارهاب العالمي، والتي ارتكبت احداها الجريمة البشعة يوم الثلاثاء 11 من سبتمبر المنصرم، قد اعادت الحضارة الغربية الى عصر الادوات البلاستيكية، على الاقل فيما يتعلق بالطائرات الحديثة، فقد بادرت شركات الطيران، على اثر الحادث المفجع، الى منع دخول اي آلة حادة، بما فيها ادوات المائدة التي كانت الشركات تعتبرها موضوعا للتفاخر فيما بينها! تقييم النتائج لم يكن تغيير ادوات المائدة المعدنية واستبدال اخرى بلاستيكية بها مجرد امر محدود، بل لعله ـ كما اتصور ـ يشير الى استخدام افضل نتائج الذروة التكنولوجية التي بلغتها البشرية في القرن العشرين على يد الحضارة الغربية، والتي تجيء في طليعتها صناعة الطيران، هذه التكنولوجيا نفسها، خاصة الطائرات، هي التي تحولت، في ايدي الارهابيين، الى اداة شيطانية للتدمير والتخريب احالت نيويورك وواشنطن الى ساحتين للموت المجاني، بعد ان جعل الارهاب من الطائرات قنابل موقوتة احدثت اكبر مجزرة للمدنيين عرفها العالم حتى الآن في النصف الغربي من الكرة الارضية، ولعل ما حدث، ومن خلال الكيفية التي وقع بها، يعيدنا الى ضرورة النقاش حول «العولمة» هذه الكلمة التي صارت منذ سنوات الاكثر رواجا في الابحاث والندوات ووسائل النشر .. فلقد سعت العولمة الى اسقاط الحدود امام التجارة والتكنولوجيا والثقافة، ولكن ها هي «عولمة الارهاب» تسبق «العولمة» الايجابية، التي يتطلع اليها العالم، ليفاجأ الغرب والشرق على السواء بانهم مطالبون باعادة صياغة مفاهيمهم حول هذا القطار العولمي الذي يجري وضعه على السكة تمهيدا لانطلاقه. ولكن هل يتوقف التاريخ هنا ام ان البشرية يمكن ان تتعلم منه شيئا مهما وهو ان معيار تقييم الاحداث انما يكون بنتائجها النهائية وليس بمقدماتها؟ ومن ثم فان المقدمات التدميرية المروعة التي شاهدتها البشرية بقلوب مذهولة على شاشات التلفزة، ستكون عواقبها وخيمة بما لم يكن يتصوره مرتكبو هذا التدمير. افغانستان بلد غير مستقر تتنازع فيه القبائل والطوائف والاعراق، وهو بلد صدر اكبر مجموعة من اللاجئين في ربع القرن الماضي (بعد العراق) بسبب هذا الصراع العرقي والقبلي والطائفي. ولعل واحدة من اهم الخطوات للقضاء على الارهاب التي تتداول الآن على نطاق واسع هي القضاء على ميليشيات طالبان، وازاحتها عن التحكم في مقدرات افغانستان في المستقبل. لقد كان طريق هذه الميليشيات الى توسيع نفوذها هو الانغماس في الصراع الداخلي الذي تؤججه مصالح خارجية، وظن البعض ان هذا التوجه المتعصب، سوف يكون محصورا في تلك الارض الجدباء الفقيرة، التي تمثل زراعة «الافيون» عصب اقتصادها، ولم يتصور احد ان شرورها سوف تتمدد الى ان تصيب الآخرين اصابات تكاد تكون قاتلة، حيث ان التعصب لا ينتج الا مزيدا من التعصب. الطريق الى تغيير هذه التركيبة كما تتحدث عنها وسائل الاعلام العالمية هي، مرة اخرى، الاستعانة بالوسائل نفسها فمن المتوقع ان تحدث انشقاقات واسعة في حركة طالبان نفسها، بعد التدخل الضاغط من الولايات المتحدة، حيث ان مثل هذه الانظمة المبنية على القهر والاكراه ينفض من حولها المناصرون، وتجد نفسها دون معين عندما يشتد الخطب. وهناك امثلة كثيرة في التاريخ الحديث. فبالرغم من قوة الآلة العسكرية اليابانية في الحرب العالمية الثانية، وتحكم مجموعة من القيم العسكرية والتراثية الجامدة في المجتمع الياباني المحارب ضد الاغراب، الا ان القوات الامريكية التي دخلت اليابان، وجدت نفسها امام استقبال حماسي من الجمهور، وهو الامر الذي قد يحدث مثيل له في افغانستان، في الاسابيع القليلة المقبلة. مقارنة قاصرة لا شك في ان قوة النار التي يمتلكها مقاتلو الطالبان هي من الضعف حتى ان المقارنة بينها وبين نظيرتها الامريكية هي مقارنة تثير الرثاء. كما ان الاستناد الى المقارنة بين الحملة الامريكية المرتقبة ضد طالبان، والحملة السوفييتية على افغانستان في الثمانينات هو امر لا يعتمد على رؤية موضوعية للاحداث. فاولا عندما دخلت القوات السوفييتية الى الاراضي الافغانية وجدت شرائح من الشعب الافغاني متضامنة ضدها. ولكن الاكثر اهمية هو الدعم الدولي الاقليمي والخارجي مما كان له اكبر الاثر في جعل مدة بقاء القوات السوفييتية ضربا من العذاب والمعاناة كما لا ننسى الدعم المالي الكبير الذي تدفق على الشعب الافغاني ابان الغزو السوفييتي، سواء من العالم الاسلامي الذي ابدى تعاطفا كبيرا مع قضية هذا الشعب، او من العالم الغربي الذي كانت له مصلحة استراتيجية في رد هذه الحملة السوفييتية التي كانت تبحث عن موضوع قدم قريبا مما يسمى في الجغرافيا السياسية بالمياه الدافئة. اما الآن فان امريكا ومعها حلفاؤها يحاربون جماعة طالبان وحدها وليس الشعب الافغاني قاطبة دون عون او نصير خارجي. هذا من ناحية، ومن ناحية اخرى فان التقنية العسكرية سواء في الجانب التسلحي او الجانب اللوجستي قد تطورت كثيرا جدا من بداية الثمانينيات حتى الآن، فالآلة العسكرية التي يجري حشدها واحماؤها الآن تتجاوز تلك المدافع الثقيلة التي كانت بصحبة القوات البريطانية في حملتها التاريخية على افغانستان، كما تتجاوز الطوافات السوفييتية التي كانت ذات امكانات متواضعة في ساحة المعركة. يتوافر لدى طالبان بين الثلاثين والاربعين الفا من المحاربين المدربين على حرب الجبال يقودهم ـ كما تقول المصادر الغربية ـ عدد من الشيوعيين السابقين الذين غيروا انتماءهم بعد ان غادر السوفييت الاراضي الافغانية في عام 1989، يناصر هؤلاء حوالي ثلاثة آلاف عربي من اتباع بن لادن، وهم مجموعة جاءت من دول عربية شتى، هربوا او التجأوا الى هناك بسبب اوضاع سياسية طاردة في بلدانهم، او اوضاع ايديولوجية جاذبة لدى مضيفيهم، واما دفعهم طلب المغامرة، والحلم الذي يحدو بعضهم باقامة دول على مقاسهم، وان كان عدد منهم قد يهجرون هذا النزال، ويعودون من جديد الى اوطانهم، طلبا للسلامة في حالة نشوب واستمرار حرب حقيقية على بن لادن، وليتمكنوا من الكمون فترة تطول او تقصر حتى يجدوا الفرصة الملائمة للظهور ثانية. وهؤلاء يمثلون قطاعا من الشباب استطاع بن لادن ومجموعته ان يلتقطوهم بعد ان عاشوا في بلادهم ظروفا اقتصادية واجتماعية وسياسية ضاغطة، فأجروا لهم تهيئة نفسية وثقافية عميقة لينخرطوا ـ منصاعين ـ في تنظيماتهم التي تنتهج المقامرة السياسية، ما دام هذا الامر يوفر لهؤلاء الشباب المأمن واسباب المعيشة والرضا الايديولوجي! مستقبل غائم طالبان هي حركة اكثر منها حزبا حديثا منظما، فقد التجأ اليها بعض قيادات القبائل الافغانية للحماية، وعلى اساس اطلاق ايديهم في التصرف في الاراضي الزراعية وفلاحيها، الا ان الشعب الافغاني الذي يتجاوز تعداده العشرين مليونا، يتوزع على مجموعة غير قليلة من الاعراق والمذاهب، ففي الشمال يعيش الاوزبك والطاجيك والتركمان، والطاجيك يشكلون نحو ربع الشعب الافغاني وهم من جملة المعارضين الاشداء لحركة طالبان ويشكلون عصب الجبهة الموحدة المناهضة لحكم الحركة، اما البشتون فهم يشكلون حوالي اربعين في المئة من الشعب الافغاني، وهم ايضا العمود الفقري لحركة طالبان، وبسبب وجودهم في الجنوب والشرق من البلاد فلهم علاقة عرقية ببني جلدتهم الذين يعيشون في باكستان. يقود حركة طالبا الملا عمر كريم العين، ذو الخمسة والثلاثين عاما الذي كان معلما في مدرسة دينية، جمع حوله الانصار في ظروف الانشقاقات التي اعقبت جلاء السوفييت، ولم يكن ذاك بعيدا عن تأييد باكستان التي وجدت ان امتدادات البشتون في اراضيها قد تضمن لها السبق في الشئون الافغانية الداخلية، بعيدا عن نفوذ الروس في الشمال والايرانيين في الغرب، في اطار الصراع التاريخي على افغانستان من الدول المجاورة، الا ان الملا عمر وجد في اسامة بن لادن والافغان العرب نصيرا قادرا على ربطه بالخارج، فحاول كثيرا مد خيوط الاتصال بدول عربية واسلامية، ولكن لم يعترف به وبحكومته الا عدد قليل من هذه الدول، كما انه قد لوحظ ان هؤلاء اللاجئين او الضيوف العرب لم يكونوا مقبولين من فئات عديدة من الطوائف والاعراق الافغانية، ولولا الصلة القوية بين الملا عمر وبن لادن لما وجد هذا الاخير او مناصروه امانا في اقامتهم هناك لفترة طويلة، الا ان عددا قليلا من البشتون لا مفر لهم غير الارتباط بالملا عمر، حيث لا ملجأ لهم سواه، وهنا تستطيع باكستان بما لها من نفوذ من خلال شريحة البشتون من مواطنيها، ان تفتح بعض الابواب لبعضهم للخروج من هذا المأزق. واذا كان المعلن حتى الآن ان القوة المتحالفة دوليا ليست على خلاف مع الشعب الافغاني، بل مع الغلاة ومناصري الارهاب، فان السؤال الآن ينصب حول ما اذا كان هناك تفكير في ما سيحدث على ارض افغانستان بعد ازاحة طالبان في ظل هذا التفتت العرقي والمذهبي الذي اجتاح البلاد، حتى من قبل ان تجتاحها قوات التحالف! ـ الامين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت