بعد انقضاء اثني عشر شهرا على اشتعال «انتفاضة الاقصى» يندهش الفلسطينيون اذ يكتشفون كيف تفوقوا على انفسهم، فقد تكسرت على ايديهم ثلاثة حواجز نفسية تاريخية: حاجز الخوف العربي من اسرائيل، وحاجز الخوف الاوروبي الشعبي من اليهود، وحاجز الحساسية الاصطناعية على صعيد العمل الوطني الفلسطيني بين الاسلاميين والقوميين. ولكي لا نظلم التاريخ يجب ان نسجل ان المقاومة الشعبية اللبنانية المتمثلة اساسا في «حزب الله»، هي وحدها التي حققت اول انتصار عسكري للعرب على اسرائيل كانت نتيجته اجبار قوات احتلالية اسرائيلية على الانسجاب من ارض عربية. واذا كان هذا الانجاز الفريد يمكن ان يدخل تحت بند ازالة الخوف العربي من اسرائيل بصورة جزئية، فان المقاومة الفلسطينية بعملياتها الاستشهادية التي طالت العمق الاسرائيلي نسفت نظرية الامن الداخلي في الدولة اليهودية، وازالت نهائيا اسطورة «اسرائيل التي لا تقهر» واسقطت هيبتها داخليا واقليميا ودوليا. في الداخل تهلهل نسيج المجتمع الاسرائيلي واضطربت الحياة الاقتصادية وظهرت بوادر الهجرة المعاكسة وتسلل الشلل الى الحياة اليومية للأسر والافراد مع انتشار الاحساس بالارتعاب الدائم. واقليميا تحدد خط الاستقطاب الحاد على صعيد العالم العربي والاسلامي بين الشارع والانظمة الحاكمة. ورغم ان الحكومات لم تقدم شيئا يذكر الى المقاومة الفلسطينية من قبيل المساعدة، الا ان الحكومات صارت تتوخى الحذر الشديد في تحركاتها الداخلية والخارجية مع مثول شبح الانتفاضة ابدا نصب اعينها وبذلك باتت الحكومات العربية والاسلامية، مع تصاعد مد الانتفاضة، اقل تجاوبا من ذي قبل مع الولايات المتحدة. وكان من بين النتائج المرئية اقدام الانظمة على الاسهام في كسر الحصار على العراق رغم المعارضة الامريكية. اما على الصعيد الدولي فان الزخم الدموي اليومي للمقاومة الفلسطينية وانتصاراتها الاستشهادية وصمودها في وجه القمع الوحشي الاسرائيلي، ادى الى فرض قضية الشعب الفلسطيني على اجندة الساحة الدولية بقوة لم تعهد من قبل منذ قيام اسرائيل، وجنبا الى جنب مع هذا البروز القوي للقضية الفلسطينية اخذت صورة اسرائيل تبرز دوليا كقوة عنصرية وحشية. وفي المؤتمر الدولي لمكافحة العنصرية الذي عقد في اغسطس الماضي في دوربان بجنوب افريقيا بلغ التأييد العالمي المتنامي للقضية الفلسطينية اعلى ذراه، وللمرة الاولى في التاريخ تدمغ اسرائيل والصهيونية في مؤتمر عالمي بواسطة منظمات اهلية من مختلف انحاء العالم كان عددها يربو على ثلاثة الاف بالعنصرية. لقد وصلت القضية الفلسطينية الى هذه المحطة التاريخية بفعل التيار المندفع للانتفاضة وما يقابله من قمع اسرائيلي لا يعرف حدودا، على خلفية مؤشرات متتالية تنبيء ببوادر يقظة في الشارع الاوروبي ضد الابتزاز اليهودي التاريخي. اولى المؤشرات وقعت في فرنسا وتمثلت في احراق عدد من المعابد اليهودية في باريس ونيس .. ثم انتقلت المؤشرات بصورة اوضح الى اسكندنافيا، هنا فوجيء القادة الاسرائيليون. فقد نهض وزير الخارجية في فنلندا ليقول في اجهزة الاعلام ان اليهود في معاملتهم للفلسطينيين صاروا نازيين، وما كادت اصداء تصريحات الوزير الفنلندي تخفت حتى فجر قادة منظمات واحزاب دنماركية ازمة، عندما طالبوا حكومتهم برفض استقبال سفير اسرائيلي جديد اتهموه بممارسة التعذيب ضد فلسطينيين. وفي كل الاحوال سواء على الصعيد الداخلي او العربي او العالمي، ما كان للمقاومة الفلسطينية المسلحة ان تنجز ما انجزت في بحر سنه واحدة لولا انها حققت اولا وحدة وطنية بين الفصائل منتصرة بذلك على الحواجز الايديولوجية. وهكذا منذ البداية يقف مقاتلو «فتح» و«الشعبية» والديمقراطية، جنبا الى جنب في خندق واحد مع مقاتلي «حماس» و «الجهاد». ولو لم تنجز الانتفاضة الفلسطينية شيئا سوى ازالة الحاجز النفسي المفعتل بين الخط القومي والخط الاسلامي، لينخرط الجميع في صف نضالي واحد ضد عدو واحد، لكفاها هذا انجازا.