في المجتمعات الغربية وفي مقدمتها أمريكا هناك بناء مؤسسي لكل صغيرة وكبيرة فيها، وذلك على عكس ما يحدث في مجتمعات العالم الثالث. فالحرية التي تفاخر بها أمريكا وأوروبا أمام غيرها من المجتمعات التي تعيش في ظلمات الظلم والجور لشعوبها لم تأت من فراغ، فلقد ذاقت الطعم يوم ان كانت طُعْما سائغاً للبابوية باسم الدين والاقطاع الذي أعطى السيد المطلق الحق في استعباد غيره بتقييده وكتم أنفاسه. هذا الكلام اليوم وهذا الوضع الذي تبخر وانتهى مفعوله بسبب التضحيات الجسام التي قدمت في الحروب التي تطاحنت فيها أوروبا عالميا ومحلياً وأهلياً قد ساهمت في تعديل الموازين إلى القسط والعدل بدل المآسي التي لم تجلب لهم غير الدمار في بنية الإنسان قبل قواعد العمران. لقد سادت موجة العدالة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية حتى عاش الانسان الأوروبي والأمريكي في مأمن على نفسه، أي في حالة خاصة من الأمن الشخصي الذي اهتزت أركانه في تلك الهجمات الغادرة على الآلاف المؤلفة من البشر من شتى الأجناس، فنعمة الأمن في السرب هي التي تعرضت للاغتيال بأيدي غاشمة لم تراع حق الانسان العادي الذي يخرج إلى عمله في كل صباح وبشكل روتيني وفجأة يقع على رأسه برج لا تطاله الأعناق من طول قامته، والسبب لم يكن هندسيا أو فنيا، فقد يكون لذلك مبرراً لمحاسبة المهندس الذي خان الأمانة في عمله، إلا ان ما حدث لهذا الانسان البريء غير قابل للبحث عن المبررات لأفعال الغاشمين الذين اخترقوا الأمن الشخصي لهؤلاء الآلاف باستخدام وسائل النقل الآمنة وبإلغاء صفة الأمن منها لاغراض خرجت إلى السطح في يوم الثلاثاء الأسود. فالمتضرر الأكبر اليوم بلا منازع هم العرب والمسلمون الذين اتخذوا من ديار الغرب مأمناً وواحة أمن وأمان لهم وضماناً لمستقبل الأجيال التي فتحت أعينها على حياة آمنة لم يذق طعمها إلا هناك بعد ان حرم منها في داره. فهذا الأمن الشخصي للنفس الانسانية المجردة من المذاهب والمعتقدات لم يأت من فراغ وإنما هو حصاد ما زرع في التربة الخصبة التي يراد اليوم تسميمها بمبيدات الارهاب. فهل تسمح أمريكا ومن يقف خلفها من كافة دول العالم ان يحقق الارهاب مراده في انتزاع الارواح الآمنة من أسرابها؟