لا اذكر اسم الشاعر الفرنسي الذي احال اليه الاديب الانجليزي تي. اس. اليوت في قصيدته الملحمية الشهيرة بعنوان «الارض الخراب» هي خراب في ترجمة الدكتور لويس عوض من مصر وهي يباب في ترجمة الدكتور عبدالواحد لؤلؤة من العراق. مع ذلك.. فمازالت الذاكرة مع فرط اجهادها وشدة معاناتها تعي ذلك البيت الذي نقله اليوت بلغته الفرنسية الاصلية ويقول ما معناه: .. «يا ابن الانسان.. يا أخي.. يا قريني.. يامثيلي» والمعنى ان البشر جميعا ابناء آدم.. وانهم من نطفة.. او من نفس واحدة.. وان كلاً منهم شبيه الاخر او قرينه من حيث الجوهر والاصل والاساس. ولا اكتمك ان الذاكرة بالفعل تعاني شدة الوصب وفرط الاجهاد: كيف لا ونحن نكتب لك سطورنا هذه على مرمى عدة احجار او على مقربة عدة محطات بالباص من موقع الاحداث المأساوية التي ألمت بالعاصمة الامريكية نيويورك حيث المنطقة المنكوبة التي اطلقوا عليها وصف «المنطقة صفر» «جراوند زيرو» ولأننا ابناء ادم وحواء.. فقد عشنا لحظات الاسى والألم بل التفجع واللوعة مع قوم لا نعرف اسماءهم ولا خطروا لنا على بال من قبل، وجوه لوحتها شمس الغربة ولفح الهجرة وداهمتها صاعقات الشكل ومشاعر الفقر.. السحن السمراء والصفراء والسوداء والشقراء.. وأصحابها كما لا يخفى عليك يشكلون المجتمع المتعدد الاعراق.. المتنوع الالوان والاديان والثقافات الذي ظللنا نعايشه على مدى عشرين عاما من قبل وقد تقل وقد تزيد.. وطالما كانت تتيه به نيويورك عجبا على سائر البنادر والحواضر داخل امريكا وخارجها حيث كانت تجمع في السماء تدليلها بين لقب «التفاحة الكبيرة» ووصف «بوتقة الانصهار». وكم كان اجتياز المرء كل صباح من موقع السكن الذي اتخذناه خلال اقامتنا المؤقتة الحالية في نيويورك الى حيث مبنى الامم المتحدة التي انتدبتنا ـ كتر الله خيرها وحمى ديرتها لبعض الاعمال خلال اشهر الخريف الحالي ـ كم كانت هذه الرحلة بين البيت والعمل اشبه بالمفازة الصعبة.. حافلة هي بوعورة المشاق لا من حيث المسافات التي تقف عندها حافلة الباص لا تتعداها والباقي نقطعه على اقدامنا كل صباح.. ولكن بالذات من حيث الاعباء النفسانية التي نتحملها ونحن نمر بثلاثة مستشفيات وضعها القدر في طريقنا بالذات ولا نملك سوى ان نطالع افواجا من البشر يحملون صور ذويهم من المفقودين في ركام الحادث الرهيب.. فان تراءى لك ان تتريث قليلا كي تسمع شذرات من حديث فهو حديث اللوعة واليأس من فقد عائل الاسرة رب الذرية الضعفاء.. جاء يوما من بنغلاديش او من غانا او من فلسطين او من جواتيمالا او رومانيا او.. او.. كم كانت فرصة من وجد عملا ولو متواضعا ولو كان يكفي بالكاد لاطعام الذرية وكسوة العيال او هو حديث عن ابن افطر وتوجه الى العمل وها هي الام العجوز لا تعرف عنه شيئا ولا تحتكم منه على شيء اللهم الا صورة له التقطوها في حفل عرس او في يوم عيد، وجه الابن يطفح بالصحة وماء الشباب وسحنة الام تجسيد للألم الحي والعذاب الذي لا تصفه الكلمات. هنالك تعاودك مثل آلام الملاريا كلمات الشاعر الفرنسي الذي لم تعد ذاكرتك المريضة تستحضر اسمه: ـ يا ابن الانسان.. يا اخي.. يا شبيهي. وتكاد تضيف وانت القادم من منطقة الالم الأصلي والمعاناة التي لا تنقطع. ـ لانك ـ يا انسان اخي ـ فها انا احس بك... وكم كان الاجدر ان تحس بآلامي وقد عرفت أرضي آلام الثكل وعذابات الفقد حين وجدت من يصادر حقوق الناس ويطرد الناس من ديارهم ويشتت شمل عائلاتهم ويلحق باطفالهم مصير اليتم وآلام المسغبة ومذلة التشريد. والحق نقول ان تعمدنا تغيير الطريق من اجل الوصول الى مكتبنا.. بالطبع على حساب حركة التفاف نقوم بها كل صباح وتتم بالطبع على حساب اقدامنا المجهدة اصلا، ولكن ما باليد حيلة.. ثم ها نحن وقد ضاعت علينا تحية الصباح التي كنا نتبادلها كل يوم مع الصبية التي تملك كشكا صغيرا صنعوه لها من خشب مزركش ثم اضفوا عليه كسوة من معدن خفيف في لون الفضة تجلس في داخله وقد وضعته على الرصيف خارج مبنى «كون اديسون» مؤسسة الكهرباء العملاقة المطلة في جيرة مبنى الامم المتحدة على نهر الايست.. ومن ثم فالفتاة تكسب رزقها من بيع الشطائر والمشروبات الخفيفة لعمال كون اديسون الذين يشعر المرء انهم اتخذوها ابنة او شقيقة او صديقة. فاذا ما فرغت من تزويدهم بوجبة الافطار.. وعادة ما يصادف ذلك وقت اجتيازنا موقع الكشك الفضي الصغير.. تجدها وقد فرغت لنفسها فأمسكت كتابا هو في الاغلب رواية شعبية عن قصة حب رومانسية وعن فارس الحلم الاسطوري الذي تحلم به كل فتاة ورغم اننا لسنا من زبائنها فما نظن ان بنا قدرة على احتمال الافطار الامريكي الدسم الثقيل، الا اننا تعودنا مبادلتها بايماءة خفيفة تتم بين رأس متوج بشعر اشقر ورأس مجلل بما تبقى من شعيرات في لون الثلج.. وحتى هذه الايماءة ـ خفيفة كانت او غير ذلك ـ ضاعت علينا بعد ان اتخذنا قرار تحويل المسار. بيد ان كل هذا التعاطف مع أبعاد المأساة التي كتب علينا ان نعايشها.. فقد بدأت تتناثر من حولنا حكايات واخبار يرويها من عايشوها او تنقلها الميديا الامريكية التي اصبحت الخبز اليومي لكل كائن حي في امريكا وفي العالم كما نتصور طيلة الاسابيع الثلاثة الاخيرة. الحكايات تدور حول المواقف الجديدة ـ الغريبة احيانا التي بدأ يتخذها البعض في امريكا ازاء العرب.. او اهل المشرق او ابناء جنوب شرقي اسيا وخاصة من شبه الجزيرة الهندية ـ هي مواقف تبدأ بمجرد الحملقة او التحديق وقد تتوسط الى حيث المضايقة او التحرش اللفظي بالذات من باب «تلقيح» الكلام كما يقول المصريون وقد تتصاعد الى حيث الاهانة المتعمدة وقد تبلغ درجة الجريمة مع سبق الاصرار في الحالة التي حدثت في ولاية جنوبية حين اطلقوا الرصاص على هندي من طائفة السيخ فأردوه قتيلا لمجرد أن له لحية وانه يرتدي عمامة طائفته التقليدية. ولسنا هنا بصدد التحليل السياسي. وهو يخرج ـ كما تعرف ـ عن نطاق هذه الزاوية التي تقوم كما نتصور على منطق الافضاء او النجوى الفكرية بين كاتب وقاريء ـ ولكن علينا ان نحيل هذا السلوك الى ظاهرة التنميط كما يقول المصطلح في علوم الاتصال والاعلام. ورغم ان المسئولين الامريكيين ـ والشهادة لله ـ ادركوا خطورة هذه الظاهرة التي تدفع الناس العاديين الى اتخاذ مواقف مناهضة، معادية للاخرين حين يقرأون ملامح وجوههم او يطالعون طريقة سلوكهم او مفردات ملابسهم او حتى طريقة نطقهم للانجليزية. ـ رغم هذا فمازال التنميط وبالتالي التحذير من انتشاره او تفاقمه امرا موصولا في الحياة وفي السلوك في امريكا. ولان الامريكيين قوم بسطاء من ناحية، ولانهم يتصورون انفسهم مركز العالم من ناحية اخرى.. فهم في عمومهم يكتفون بتلخيص النظرة الى الشعوب والاقوام الى حيث يختزلون الناس الى قوالب جامدة والى رموز وصور نمطية «ستريوتايب». ولا ادري هل تسرب هذا الاتجاه من التبسيط المخل الى العقلية الامريكية نتيجة الاستسهال في التفكير او من خلال اثر النزعة الصهيونية في الاساءة الى هذا الشعب او ذاك او جاء متسربا من نزعة الاستشراق التي عرض لها المفكر ادوارد سعيد في كتابه الشهير عن هذا الموضوع على اساس انها تصدر عن موقف استعلائي من جانب الغرب ازاء الشرق.. واحيانا عن موقف يختزل الشرق.. بثقافاته وحضاراته وانجازاته وشعوبه واقوامه في التهاويم التي كرستها تصاوير سينما هوليوود التي اصطنعت للحديث عن الوطن العربي منظورا غاية في الاختلال يصور الحياة العربية من خلال حياة الخيام والابل والقهوة المرة بالهال واغاني الايقاع الرتيب وموسيقى التكرار المتخلف الممل.. ناهيك عن جلسات الحشيش وعالم الحريم ثم اضيف اليها مؤخرا بضاعة هوليوود المتأثرة بالدعاية الصهيونية متمثلة في تنميط الشخصية العربية في قالب «الارهاب» وهو ما تجلى في تكرار مريب في أفلام ومسلسلات متلفزة صنعت هذه الصورة النمطية المرفوضة للعرب والمسلمين، وصفتها بالتراكم والإلحاح والتكرار لتشويه الطابع القومي لأمة يدين معظم ابنائها ـ كما هو بديهي بديانة تبدأ بمبادرة السلام على اهل الارض وتخاطبهم على انهم «الناس» الذين خلقهم الله وجعلهم شعوبا وقبائل لكي يعرف بعضهم بعضا.. ولكي يعرف كل منهم ان الاخر شبيه له في الانسانية ومثيل او قرين على نحو ما قال شاعر فرنسي ورد ذكره في قصيدة «الارض الخراب» ولم تعد الذاكرة وسط فتنة الاحداث المدلهمة ـ تعي له اصلا ولا فصلا للاسف الشديد.