ضرورة تفعيل العمل العربي الجماعي في اتجاه اقامة السوق العربية المشتركة حديث ليس جديدا فقد كان دائما أحد المرتكزات الأساسية كلما فكر العرب في تنفيذ تجربة وحدوية وكان في الوقت نفسه أحد المحاور الذي انشئت في اطارها جامعة الدول العربية في عام 1945. وخلال أكثر من خمسين عاما اصطدمت الاتفاقات الاقتصادية العربية (الجماعية) بقيود شلت عملية تحويل الأفكار القومية الى حقائق ومن بينها التعقيدات البيروقراطية نتيجة قصور النظم الادارية وجبن رأس المال الخاص في الاستثمار داخل المنطقة العربية ومحاولات الغرب جذب الرساميل العربية اليه ضمن مايعرف في العلاقات الدولية بالصراع بين الشمال والجنوب. لكن من وجهة نظري أهم عقبة كانت (المشروع الصهيوني) المتآمر على حاضر ومستقبل الأمة العربية والذي يهدف الى تفتيتها والقضاء على الانتماء العروبي بالسعي الى تشويه الهوية العربية من جهة ونسف مقدرات الأمة الاقتصادية من جهة أخرى للحيلولة دون حدوث أي توحد اقتصادي وسياسي عربي. (1) السوق المشترك والظرف التاريخي: مما تقدم يصبح الحديث اليوم عن اقامة سوق عربية مشتركة ضرورة يحتمها الظرف التاريخي الذي تمر به الأمة العربية على كافة الأصعدة وفي ظل تحديات اذا تم تجاهلها فإن العرب يصادرون حقهم وحق الأجيال القادمة في الحياة الحرة الكريمة. وإن نظرة تأملية للعالم حولنا وللتحديات المشار اليها تجعلنا نرصد خمسة أسباب رئيسية تجبرنا على الاستيقاظ من الثبات الذي نحن فيه. أولا: لم يعد العالم يقبل في منظومته المعاصرة المسماه بالنظام العالمي الجديد ْملْد ٌفقٌُا مخ غير الكيانات العملاقة وفي مقال سابق أشرنا الى أن (موقع) العرب في هذه الكيانات قد تراجع بسبب ماأسميناه بالاتجاهات الانعزالية في الأمة العربية وهي التي حاولت في الثلاثين سنة الأخيرة فرض نفسها على الفكر والعقل العربي وفي تصوري أن النهوض الاقتصادي الجماعي للأمة الآن بالتحديد يمكن أن يرجع العرب الى دائرة الضوء ويعيد الاهتمام الدولي بالكيان العربي ومايستتبع ذلك من تأثير ايجابي في العلاقات الدولية والاقليمية. ثانيا: إسرائيل جسم غريب مزروع في الوطن العربي وكان من المفترض حسب طبائع الأشياء أن يتم تحفيز الكيان الأكبر على طرد ولفظ هذا الجسم الغريب. لكن ماحدث كان عكس الطبيعة، فمنذ أكثر من نصف قرن تواجه الأمة العربية تحديات من هذا الكيان المزروع الغريب تراهن على مصير ومستقبل العرب من المحيط الى الخليج ومن أخطر هذه التحديات عمليات الاختراق التي تقوم بها اسرائيل الى (الجسد العربي) بشكل سرطاني يدمر الإمكانات المتاحة للتوحد العربي وتطرح بدائل أخرى للتعاون الاقليمي تحت مسميات الشرق أوسطية وغيرها من التعبيرات المطاطة وللأسف الشديد وقع بعض العرب في لحظة من اللحظات في شراكها. ثالثا: زيادة اعتماد الاقتصادات العربية على الغرب سواء كانت دولا أو مؤسسات مالية دولية تخضع لسيطرة الارادة السياسية للدول الغربية وفي مقدمتها الولايات المتحدة. ونلاحظ الارتباط بين عمليات الاصلاح الاقتصادي في الدول العربية وهذه الدول أو تلك المؤسسات. وتبرر عملية الاعتماد على الآخرين هذه بمحاولة انقاذ الكثير من الاقتصادات العربية من العجز المزمن في ماليتها العامة نتيجة تراجع الناتج الوطني في كثير من الدول العربية بشكل ينذر بوجود خلل ما في ادارة وتنظيم الموارد المتاحة التي تراجعت مدخولاتها أو عوائدها ومنها النفط حيث أصبح من الضروري تنويع مصادر الدخل القومي وتقليل الاعتماد على المؤسسات الاقتصادية غير العربية. رابعا: عدم وضوح الدور الوظيفي لجامعة الدول العربية في عملية الارتقاء بالتعاون الاقتصادي العربي الى المستوى الذي يمكن من حشد الموارد العربية لصالح الأمة العربية ويساعد على بلورة فكرة السوق المشتركة وتحويلها الى انجاز وحقيقة واقعة. تأتي هذه (الضبابية) في عمل الجامعة رغم وجود مجلس الوحدة الاقتصادية - أحد المجالس المتخصصة التابعة للجامعة - الذي من المفترض أن يكون عمليا صاحب المبادرة في خلق السوق العربية المشتركة وتمهيد الطريق الى اتخاذ الاجراءات المناسبة لانشائها. خامسا: اندفاع الاقتصاد الدولي الى مايسمى بالعولمة أو َُيف»يٌمقٌُا من خلال هيمنة منظمة التجارة العالمية - وريث اتفاقية الجات - على اقتصادات الدول الأعضاء فيها بعد تطبيق الجات بالشكل الذي سيؤدي الى ازالة الحواجز ومن ثم اذا لم يتخذ العرب خطوات فعالة لتقوية مكانتهم الاقتصادية فإن الأمور ستصبح أكثر مماهي عليه الآن!! (2) ماذا أعد العرب للعولمة الاقتصادية؟! لا شك أن هذا سؤال لابد من طرحه على صناع ومتخذي القرار في العالم العربي لأن الانخراط في حركة الاقتصاد الدولي أمر لابد منه سواء وافقوا أم أبوا. وفي اعتقادي أن الدخول الى مرحلة عولمة الاقتصاد بغض النظر عن سلبياتها أو ايجابياتها ليس من المصلحة أن يتم بشكل فردي لأن السوابق التاريخية علمتنا أن التصرف أحادي الجانب في أي شأن عربي لا يعود بالخير على العرب ككل. على العكس أن الضرر العائد من انفراط عقد الأمة أكبر بكثير وسيلحق بالجميع. إن العرب عندما توحدوا اقتصاديا حققوا انجازات سياسية وعسكرية في صراعهم مع اسرائيل والصهيونية. فقد ثبت أن توحيد الرؤى العربية يؤثر على قدرة اعداء الأمة على تنفيذ مخططاتهم المعادية والمناهضة للوحدة العربية. ويمكن القول أن العرب حتى هذه اللحظة لم يعدوا لعملية الانخراط في الإقتصاد الدولي بشكل جماعي وهو أمر في غاية الخطورة بالنظر الى الظرف التاريخي الآني الذي يعيشه العرب. ويصبح من الأهمية بمكان أن تعاد صياغة رؤية العرب لواقعهم الإقتصادي ودراسة جدية لمواردهم الحقيقية حتى يتمكنوا من النهوض الاقتصادي بشكل جماعي. (3) خطوات إنشاء السوق المشتركة: تنطلق عملية الصياغة المشار اليها من فهم واع للتحديات المحدقة وفي مقدمتها (إسرائيل) وعموما هذا الفهم ربما سيكون الحافز لمحاولة طرح قضية الوحدة الاقتصادية في العالم العربي بشكل عملي سواء على مستوى التنظيم الاقليمي العربي (جامعة الدول العربية) أو من خلال التشاور البيني على مستوى الحكومات. ومن الثابت ان جميع الدول العربية تتفق على الأهمية القصوى لانشاء السوق المشتركة وهذا يعني أن ثمة رضا عام عن الفكرة الأمر الذي يتطلب خطوة لاحقة وهي أن تقوم كل دولة عربية بتقديم دراسة واقعية لحجم مواردها المتاحة والمتوقعة ولحجم احتياجاتها الاقتصادية والبشرية والفنية. ومن خلال المقابلة بين حجم الموارد وحجم الاحتياجات يمكن رسم خريطة اقتصادية للعالم العربي نحسب من خلالها القوة الفعلية للإقتصاد العربي ومن ثم بيان أوجه التكامل المطلوبة اقليميا وقوميا!! إن دراسة مهمة على هذا النحو سوف تقودنا إلى رصد الأسواق الفرعية في المشرق والمغرب العربيين وبالتالي أين فرص الاستثمار الحقيقية وماهي الدول القادرة على استيعاب هذه الفرص والمجالات الاستثمارية المختلفة. بعبارة أخرى سيسهم هذا الرصد في معرفة أي اقتصاد عربي قادر أو غير قادر وعليه تتاح عملية التلاحم والتكامل في اطار الكيان الأكبر ممايعني أن الاقتصادات المتعثرة غير القادرة سوف تنهض دون الاعتماد على القوى الاقتصادية الأجنبية. (4) الإدارة الجماعية ضرورة للانجاز القومي: إن مشكلة الأمة العربية انها تفتقد لما يمكن تسميته بالإدارة الجماعية التي تعلو إرادات الدول ذاتها وعدم الاتفاق العربي ناجم عن هذه المشكلة التي صاحبت العمل المشترك منذ نهاية القرن التاسع عشر وحتى الآن.. طبيعي أن الحقبة الاستعمارية كان لها أكبر الآثر في هذا التمزق الأقرب الى التخاذل وكان حرى بالجامعة العربية منذ انشائها أن تعمل على خلق الارادة الجماعية حتى يمكن ضبط الايقاع العربي عندما نصبح بصدد اتخاذ القرارات المصيرية ولكنها أي الجامعة تحولت الى مكاتب حكومية تعبر عما تريده الحكومات دون أن تعطي أهمية لنبض الشارع العربي في كثير من الأحيان فإذا كانت هناك رغبة في أن تكون الأمة كيانا كبيرا وفاعلا في عالم الأقوياء يجب أن تحدو مراكز صنع واتخاذ القرار هذه الرغبة. وأرى أن وجود الارادة الجماعية سوف يساعد على تحويل رغبة النهوض الإقتصادي الى عمل وسلوك وأحسب أن جامعة الدول العربية اذا تم اعادة هيكلتها من جديد ستتمكن من تجاوز أخطاء الماضي وتنطلق بروح أخرى قادرة على تحقيق انجاز السوق المشتركة الذي طال انتظاره عقودا طويلة!! ولكن رغم كل الشفافية والصدق في وجود نية انعاش الاقتصاد العربي الا أنه يجب أخذ كل الحيطة والحذر من خطورة المواجهة مع المشروع الصهيوني الذي أشرنا اليه في البداية لأن إسرائيل ترى أن وجودها مرهون بالانقسام العربي وأن الأفكار الصهيونية الحديثة تعتبر الاقتصاد المدخل الحقيقي لضرب وحدة الصف العربي بعدما زعمت الصهيونية انها نجحت في جعل الواقع السياسي العربي غير قادر على الالتئام باللعب على مايمكن تسميته بالتناقضات العربية - العربية. فهل تصدق اسرائيل فيما تراه وتعتقده؟! نحن العرب في مقدورنا أن نجعل من أفكار اسرائيل والصهيونية حقائق أو أوهام. ـ كاتب مصري