راحت السكرة وجاءت الفكرة، فالرئيس بوش وجنرالات البنتاجون أخذوا يراجعون قائمة أولوياتهم بعين «جيوبوليتيكية» زال عنها احمرار السكرة. وهكذا أخذت القائمة تتقلص من حرب شاملة وكاسحة ضد كل معاقل الارهاب أيا تكون وفي اي بقعة جغرافية في هذا العالم العريض وضد كل دولة تؤوي الارهابيين أو حتى تتسامح ازاءهم، إلى حرب محدودة ضد أفغانستان ونظام طالبان.. إلى ان استقرت القائمة أخيراً إلى هدف واحد.. اصطياد أسامة بن لادن، ومع استدراك ضمني بأننا «لا نسعى إلى اسقاط نظام طالبان وفرض حكومة أخرى على الشعب الأفغاني». لكن حتى هذا الهدف المتواضع قد لا يكون من المتاح تحقيقه.. إن لم يكن لأي سبب، فلأنه هدف متحرك داخل مجاهل جبلية موعودة خلال بضعة أسابيع بتقلص في درجة الحرارة إلى ما بين 10 و20 درجة تحت الصفر. ويبدو ان جورج قرر أخيراً بعد ان ضرب أخماساً أمريكية في أسداس دولية ان يعتمد سياسية «دفتر الشيكات» فالأدلة المتتالية تشير في اتجاه ان الادارة الأمريكية قررت استئجار قوات المعارضة الأفغانية المسلحة في الشمال لتولي مهمة العثور على ابن لادن وتسليمه إلى فريق مكتب التحقيقات الفيدرالي المقيم في العاصمة الباكستانية إسلام أباد. ولكن حتى لو كانت الشيكات سخية فإن الأمور قد لا تسير ميدانيا كما تريد واشنطن، هنا نأتي إلى حسابات أفغانية واقليمية ودولية معقدة ومتشابكة. بادئ ذي بدء فإن أجندة المعارضة الافغانية لا تتطابق تماماً مع أجندة واشنطن. فبينما لا ترغب واشنطن في الاطاحة بنظام طالبان مكتفية بهدف القبض على ابن لادن، فإن الهدف الاستراتيجي الأعظم الذي تكرس له المعارضة الأفغانية كل مواردها هو الاستيلاء على العاصمة كابول لاسقاط حكومة الملا محمد عمر واقامة حكومة أخرى. ولكن لماذا أصبحت الولايات المتحدة بين يوم وليلة تخشى اسقاط حكومة طالبان؟ واشنطن لا ترغب في الاطاحة بنظام طالبان حتى لا تغضب الجنرال مشرف حاكم باكستان، فإذا كان الجنرال مشرف قد أجبر نفسه على ركوب مخاطرة جسيمة بارتضاء تعاون عسكري مع الولايات المتحدة، فإنه قطعا لن يذهب إلى المدى الذي قد يرى فيه احتمال ان تتولى السلطة في كابول حكومة من معارضة أفغانية قوامها قوميتا الطاجيك والأوزبك المعاديتان تقليداً لباكستان. أضف إلى ذلك ان الحكومة المرتقبة بحكم تركيبتها السياسية سوف تكون مرجعية ولائها إلى كل من موسكو وطهران. وهذا سيء بما يكفي حتى من وجهة نظر واشنطن. ويبقى سؤال أخير: لماذا لا تستخدم واشنطن قوة «كوماندوز» أرضية أمريكية لتولي مهمة اصطياد ابن لادن بنفسها، عوضاً عن استئجار قوة أجنبية لها أجندتها الخاصة؟ لعدة اعتبارات.. أهمها ما يلي: أولاً: ان الحرب سوف ينظر إليها ـ في غياب مشاركة من دول إسلامية ـ كحرب صليبية ضد مسلمين، علما بأن واشنطن فشلت حتى الآن في إقناع أي دولة مسلمة (بما في ذلك باكستان) بالمشاركة المباشرة العلنية في عملية عسكرية أمريكية ضد أفغانستان. ثانياً: ان دول آسيا الوسطى المتاخمة لأفغانستان إذ ترحب بالتعاون مع أمريكا باستعدادها لاستقبال طائرات أمريكية «لأغراض انسانية» فإنها بإيعاز من موسكو ترفض استقبال قوات مقاتلة أمريكية. بناء على هذه المعطيات ربما تضطر واشنطن أخيراً للاكتفاء بهجوم رمزي على أفغانستان بارسال بضعة صواريخ كروز، وحتى هذا العمل الرمزي مشكوك فيه، فالرئيس بوش نفسه تساءل: كيف أرسل صاروخاً بقيمة عشرة ملايين دولار لضرب خيمة في المجاهل الأفغانية قيمتها عشرة دولارات؟! أحمد عمرابي