زار القاهرة مؤخراً السياسي البلجيكي ذو الأصل اللبناني دياب أبو جهجه رئيس الرابطة العربية ببلجيكا، وهي أحد الأطراف الرئيسية في المساعي العربية التي تستهدف محاكمة مجرم الحرب الصهيوني إرييل شارون رئيس وزراء الكيان الصهيوني. وفي لقاء معه ضم أهم النشطاء في مجال دعم الحقوق الفلسطينية تحدث دياب عن الرابطة والقضية المرفوعة أمام القضاء البلجيكي، ورغم أن حديثه تضمن الكثير من المعلومات المهمة إلا أن المفارقات التي وردت في حديثه أصابتني بدهشة لم تفارقني لساعات طويلة بعد اللقاء. أول المفارقات أن سعاد سرور ـ وهي ممن نجوا من مجزرة صبرا وشاتيلا ـ ترددت لسنوات على مكاتب منظمة التحرير الفلسطينية داخل لبنان وخارجها ساعية إلى تحريك دعوى أو تحقيق في المجزرة فتعرضت للتجاهل ثم الطرد، وبعد أن عرضت شبكة بي بي سي البريطانية فيلمها الشهير «المتهم» وبدأت إجراءات الدعوى كان رد فعل المنظمة هو العتاب الذي يلخصه سؤالهم : لماذا لم تتصلوا بنا أولا ؟ وهو ما يعني بوضوح أن المبادرة الإيجابية اعتبرت تعديا على المنظمة التي تريد عمليا احتكار قضية الصراع العربي الصهيوني. المفارقة الثانية في موقف منظمة التحرير الفلسطينية مفارقة مأساوية تكشف عن أمراض التسلط العربية انتقلت إليها، حتى قبل أن تكون لها سيادة حقيقية على شبر واحد من الأرض، فبعد التنكر المؤسف الذي عوملت به سعاد سرور طلب منها إرسال برقية تأييد للقائد! وردا عل سؤال عن تمويل الرابطة قال لا تلقى أي تمويل رسمي عربي وتمول ذاتيا بالكامل، ولذا فإنهم عاجزون عن تمويل راتب ثابت لشخص واحد متفرغ، فكل ما تنجزه الرابطة ـ وهو كثير ومكلف ـ عمل تطوعي. وبطبيعة الحال تراكمت عليها الديون بشكل يهددها، في ظل الرقابة المحاسبية الرسمية الصارمة، بأن تعلن السلطات البلجيكية إفلاسها لتسقط القضية المرفوعة أو على الأقل تتأثر بشكل كبير. وبطبيعة الحال تعامل الرابطة ـ بشكل غير رسمي ـ مع عواصم ومؤسسات رسمية عربية كان شعار معظمها «أعانكم الله». وفي عبارة قاطعة قال دياب : «حتى الآن لا علم لي عن دولة عربية لها مصلحة في كشف جريمة صبرا وشاتيلا». غير أن ذلك لايعني خلو الساحة العربية من أطراف عربية تتفاعل مع الملف، أطراف عربية تعتقد أن محاكمة إيلي حبيقة يمكن أن تضر بها عرضت تمويلا مشروطا، وهو ما رفضته الرابطة. مفارقات الرسميين العرب لا تقتصر على ذلك، فكثير من السفارات العربية في أوروبا تتبنى موقفا سلبيا ـ بل أحيانا عدائيا ـ من الجاليات العربية في أوروبا، وتوافق على الخطاب الغربي الاتهامي الذي يصم هذه الجاليات بكل نقيصة. وحتى لا تتهم بالدفاع عنهم، توافق سفارات عربية كثيرة على ما تعانيه هذه الجاليات من قمع. ويعني هذا الموقف أن مؤسسة الدبلوماسية العربية لا تعتبر هذه الجاليات رصيدا لها، بل تراها عبئا يجب التخلص منه، وإعلان براءتها التامة منها عمليا، بشكل يزيل كل لبس. ويرى دياب أن هذه الجاليات هي وحدها القادرة على إحداث تغيير حقيقي في الموقف الأوروبي المنحاز للكيان الصهيوني، فهم قادرون على جعل هذه القضية قضية أمن قومي في أوروبا. المحامون العرب الذين تولوا القضية في مراحلها الأولى عكس أداؤهم مفارقة أخرى مزدوجة، فالدور الذي قام به إيلي حبيقة في تنفيذ جريمة صبرا وشاتيلا معروف بل مشهور، وكل تقييم أخلاقي لما يجب فعله يقطع بضرورة توجيه التهمة إليه. لكن المحامين قصروا التهمة على متهمين صهاينة فارتكبوا خطأ مزدوجا، فبالإضافة إلى التجاوز الأخلاقي الذي ينطوي عليه هذا السلوك، فإن الدولة البلجيكية التي واجهت حرجا شديدا بسبب القضية وتداعياتها السياسية سعت للتخلص منها بدعوى أنها قضية سياسية وراءها دوافع عنصرية، وكان خلو الدعوى من اتهام إيلي حبيقة برهانا كافيا، وبالفعل أحيلت القضية إلى محكمة الاستئناف البلجيكية، ومازالت في انتظار قرار يحدد مصيرها. ولاشك في أنه درس بليغ في أن الحسابات السياسية الضيقة يمكن أن يكلف الأمة الكثير في قضايا مصيرية وهو درس لم تكن كل إخفاقاتنا في الصراع العربي الصهيوني كافية لأن نستوعبه. ـ كاتب مصري