في بيته في منطقة «هولاند بارك» في العاصمة البريطانية لندن، كنت أجلس صباح الاثنين الماضي مع توني بن الرئيس السابق لحزب لعمال الحاكم في بريطانيا وأبرز الزعماء التاريخيين للحزب وأطولهم عضوية في البرلمان، حيث بقي عضواً في البرلمان البريطاني طيلة خمسين عاماً، وهو الذي اختار التقاعد بعدما بلغ السادسة والسبعين، وبينما كنت أتحدث معه حول محاور حلقة الأربعاء الماضي من برنامجي التلفزيوني «بلا حدود» حيث كان هو ضيفي رن جرس الهاتف واستأذن مني قائلا: ان لدي مقابلة صغيرة مع إذاعة «بي. بي. سي» على الهاتف وسوف انتهي منها خلال دقائق. كانت المقابلة حول قانون جديد تسعى الحكومة البريطانية لاقراره يتعلق باصدار هويات شخصية للمواطنين والمقيمين تخول رجال البوليس التدقيق في هويات الناس، حيث ان بريطانيا لا تتعامل بنظام الهوية منذ الحرب العالمية الثانية على اعتبار منح الناس الحرية وعدم ايقافهم أو سؤالهم عن هويتهم أو التدخل في شئونهم الخاصة طالما انهم لا يخالفون القانون، وشن بن عبر حواره هجوماً شديداً ضد الحكومة البريطانية وضد الأجهزة التي تسعى لهذا القرار قائلاً لهم: ان هذا القرار يحول بريطانيا إلى دولة بوليسية ويهدم الديمقراطية والأمان الذي يعيش فيه الناس، وان هذا يمهد إلى ان تلجأ الحكومة إلى أساليب دولة الاتحاد السوفييتي السابق، أو ألمانيا النازية، كما ان هذا يتعارض مع كل مبادئ الحرية والديمقراطية وكل المكاسب التي تم تحقيقها في الغرب في مجال حقوق الانسان، وإذا كان هناك ضرورة للتأكد من هوية شخص ما فإن كل انسان أصبح يحمل معه عدة هويات في آن واحد مثل رخصة القيادة وهوية العمل وبطاقات البنوك وغيرها. وبعد المقابلة قال لي الرجل: ان ما حدث في نيويورك وواشنطن أصاب العالم الغربي بالرعب، والخطورة الآن هي ان كل مكتسبات الحرية التي حققها الانسان الغربي في طريقها إلى التقلص، وان هناك تهديداً حقيقياً للحريات الشخصية والحريات المدنية، فقد أصبح الأمن فوق كل اعتبار وحقوق الانسان في خطر. وما ذكره توني بن خطير للغاية بل بدأت خطوات عملية لتحقيقه وسط عملية تمييز عنصري ضد العرب والمسلمين في الغرب غير مسبوقة منذ وقوع الحرب العالمية الثانية وحتى الآن، وأصبحت لندن على سبيل المثال تعيش حالة طوارئ لم تشهدها طوال الخمسين عاماً الماضية، ويستطيع كل شخط ان يلمس هذا في الشوارع وفي المطارات بشكل خاص، حيث أصبح الراكب يتعرض للتفتيش عدة مرات قبل ركوب الطائرة مع عدد من الاسئلة عند قيامه باجراءات السفر حول ما يحمله معه، وعلى الطائرات اختفت أطقم الملاعق والسكاكين والشوك التي كانت تفخر بها شركات الطيران لا سيما على الدرجة الأولى، وحلت محلها أطقم من البلاستيك، واتخذ الاتحاد الأوروبي اجراءات مراقبة لحسابات الناس في البنوك وكثيراً من خصوصياتهم مقدماً الأمن على حريات الناس وخصوصياتهم . أما في مدن مثل باريس فقد حدثني بعض الزملاء المقيمين هناك ان الحكومة الفرنسية تعيش حالة من الرعب جعلت البوليس يفترض ان كل عربي ذي سحنة شرق أوسطية متهم حتى تثبت براءته، وحالة الطوارئ قائمة في كل مكان، أما البلاغات الكاذبة عن وجود قنبلة في فندق أو مؤسسة حكومية أو هيئة فعددها كبير، حتى اني عشت حالة من هذه في الفندق الذي كنت أقيم فيه في لندن في الأسبوع الماضي، حيث قمنا بعملية اخلاء سريع في الصباح الباكر، بدعوى وجود قنبلة اتضح بعد افراغ الناس من الغرف انه بلاغ كاذب، ورأيت كيف كان يسيطر الخوف على النزلاء حينما تجمعوا في باحة الفندق، بل ان الكثيرين آثروا الابتعاد، وقد أشارت تقارير إلى ان فنادق لندن التي نسبة اشغالها على مدار العام مرتفعة، تعاني الآن من ركود رهيب يهدد بعضها إذا استمرت الحالة عدة أشهر بالافلاس. أما في الولايات المتحدة فالانتهاكات من قبل «اف. بي. آي» للعرب والمسلمين تحديداً أصبحت بلا حدود، لا سيما لكل من تعلم الطيران أو فكر في ذلك في يوم من الأيام، وأعلن عن تأسيس وزارة جديدة للأمن الداخلي، وتحت غطاء الأمن أصبح كل شيء مستباحاً ومن لم يستجب لمطالب الأمريكان فقد أصبح متهما من الأنظمة والشعوب والبنوك والمؤسسات، فالكل يجب ان يتعاون ويستجيب للمطالب الأمنية والاستخباراتية الأمريكية التي أصبحت بلا حدود. ومن ثم فإن التراجع في الحقوق المدنية ومكتسبات الحرية والديمقراطية في الغرب سوف يكون كما يؤكد الخبراء هناك سمة المرحلة المقبلة، ومن ثم فإن المشكلة الأساسية سوف تكون لدى مؤسسات المجتمع المدني في العالم العربي، حيث ان ما حققته من تقدم في مجال الديمقراطية وحقوق الانسان والحريات العامة أصبح عرضة للخطر وليس فقط للتراجع، لأن الأنظمة الغربية نفسها في طريقها للتحول علنا إلى أنظمة أمنية. وبالتالي فإن العالم اليوم لا يقف فقط على حافة الحرب.. وإنما الأخطر من ذلك انه بات يقف على حافة الفوضى. ـ كاتب وإعلامي مصري