لو ان من الممكن تلخيص خطاب جامع مانع كخطاب الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع في بضع نقاط دون الاخلال بمغزاه وسياقه العام فإن هناك ثلاثة محاور رئيسية يمكن القول انها تمثل المرتكزات الاساسية لذلك الخطاب المتين.. وهي: ـ ان على الولايات المتحدة الا تتسرع في اعتماد العمل العسكري وحده ضد أفغانستان على اساس فرضية بأنها تؤوي اسامة بن لادن. ـ ان الارهاب الاجرامي ليس حكرا على ملة او طائفة بعينها وبالتالي فإن من الخطأ ربط ظاهرة الارهاب بالاسلام وحده. ـ ان على واشنطن ان تفرق بين الارهاب وبين حق الشعوب في مقاومة الاحتلال الاجنبي كالمقاومة الفلسطينية ضد اسرائيل. على ان هذه المحاور الثلاثة يجمع بينها، كما يوضح الخطاب، رابط رئيسي يتمثل في ضرورة توفير الادلة القانونية الحاسمة التي يمكن على أساسها تحديد الجهة او الجهات المسئولة عن تدبير وتنفيذ تلك الهجمات التي شهدتها كل من نيويورك وواشنطن. فهذا هو المرتكز الاصلي الاوحد الذي يمكن ان ينطلق منه خيار عقابي مشروع.. وإلا فإن كل الخيارات العقابية دون استثناء تسقط تلقائيا في غياب ادلة ملموسة بمعنى العدالة القانونية. فما هي صورة المسلك الامريكي الرسمي الذي نراه حتى الآن في ضوء الحجج الحكيمة التي اشتمل عليها خطاب سمو الشيخ محمد بن راشد؟ لقد اندفعت الادارة الامريكية في اتخاذ او تنفيذ اجراءات عقابية كاسحة وواسعة النطاق بينما لا تزال عملية التحقيق في الاحداث الدامية في طور الاستجواب الاولي.. وبالتالي لا يزال مرتكبو هذه الحوادث ومعاونوهم مجهولين تماما. من بين 352 شخصا يقوم مكتب التحقيقات الفيدرالي الامريكي باستجوابهم و392 آخرين يعتزم استجوابهم لم يستطع المحققون حتى الآن الانتقال من مرحلة الاشتباه الاولى الى مرحلة توجيه اتهامات محددة الى أشخاص محددين.. ثم لا تزال في باطن الغيب مرحلة المحكمة التي قد تصدر عنها احكام بالبراءة على اساس المعطيات القانونية. لماذا اذن وعلى اي اساس تحشد طائرات وأساطيل وتصادر أموال؟ أولا وقبل كل شيء «يتعين على واشنطن ان تقدم ادلة حاسمة..». هكذا صدع سمو الشيخ محمد بن راشد بالنصيحة الصريحة. وهي نصيحة مبنية على حيثيات واقعية اشار فيها سمو الشيخ محمد الى اعتراف مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي بأخطاء وتناقضات في تحديد هويات بعض منفذي هجمات نيويورك وواشنطن. ودعوة سمو الشيخ محمد واشنطن الى التروي والتريث هي في الحقيقة دعوة الى تحكيم العدالة القضائية قبل اللجوء الى خيار عقابي جزافي. ان احتجاز مئات من الاشخاص المشتبه بهم يعني بداية دوران عجلة العدالة. وعلى الادارة الامريكية ان تتريث حتى تبلغ عجلة العدالة نهايتها عبر مراحلها الى ان تصدر احكام قضائية محددة وتستأنف هذه الاحكام لتصدر احكام نهائية يستحيل الطعن في صحتها. حينئذ ـ وحينئذ فقط ـ يجوز للادارة الامريكية ان تتخذ اجراءات عقابية بناء على الاحكام القضائية الصادرة وبالطريقة التي تحددها القوانين السارية. ان اصدار ادانات اجرامية دون دليل لا يليق بدولة تسوق نفسها كحام اول لسيادة القانون في العالم. لأننا حينئذ سوف نواجه كما قال سمو الشيخ محمد بن راشد «كارثة انسانية تؤثر على الملايين».