قيل الكثير عن الجرائم البشعة التي ارتكبت ضد المسلمين والعرب الامريكيين وكذلك ضد السيخ في اعقاب الهجمات 11 سبتمبر. وقد وردت تقارير عن مئات من هذه الجرائم الامر الذي اثار قلقاً حقيقياً وبصفة خاصة في صفوف الاعضاء الاكثر تعرضاً للمشكلات من ابناء جاليتنا. ولكن تلك ليست القصة كاملة فيما يتعلق بما يجري الان في الولايات المتحدة. ينبغي ابداء الاهتمام كذلك بايماءات حسن النوايا التي لا حصر لها والتي يتلقاها ابناء الجالية ففي مختلف ارجاء امريكا وكذلك في واشنطن العاصمة حرص الامريكيون على الاتصال بنا لاظهار دعمهم للأمريكيين العرب والمسلمين. وبينما اتخذ العديد من هذه الايماءات طابعاً عفوياً فانه ينبغي كذلك الاشارة الى السباق الذي ابديت فيه هذه الايماءات وخاصة من قبل المسئولين الامريكيين سواء في صورة تصريحات او في صورة تحركات بادرت بها القيادات الامريكية. ولأن هذه التصريحات كانت بالغة القوة والتأثير في اعترافها بجاليتنا فانها تستحق ايرادها والتنويه بها. وقد ادى هذا الجهد لدعم الامريكيين العرب والمسلمين وبالطبع الى ان يبادر الرئيس بوش بالمشاركة فيه بل وقيادة تياره فقد قام خلال الاسبوعين الماضيين بتصدر العديد من الجاليات التي شارك فيها الامريكيون العرب والمسلمون وتحدث بقوة ضد الجرائم التي ارتكبت بحق الجالية. وفور قيام الرئيس بوش بالادلاء بتصريحاته الاولية دفاعاً عن الامريكيين العرب والمسلمين بادر جون اشكروفت وزير العدل الامريكي واعلى مسئول في مجال فرض القانون الى تفصيل القول في هذا الشأن مشيراً الى ان: «وزارة العدل تلقت تقارير عن عنف وتهديد بارتكابه ضد الامريكيين العرب وغيرهم من الامريكيين ذوي الاصول الشرق اوسطية والجنوب اسيوية ويتعين علينا الا نتردى الى مستوى هؤلاء الذين ارتكبوا عنف الثلاثاء الدامي باستهداف الافراد على اساس العرق او الدين او الاصل القومي، ومثل هذه التقارير عن العنف والتهديد بارتباطه تتناقض بشكل مباشر مع المبادئ والقوانين التي تتمسك بها الولايات المتحدة وهذه التهديدات بالعنف وبارتكابه لن يتم التسامح معها». وقد كرس روبرت ميلر مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي الامريكي جهداً قومياً لمقاضاة مرتكبي اي اعمال ضد الامريكيين العرب وفي اجتماع عقد في اواخر الاسبوع الماضي مع قادة الجالية اعلن مولر عن اول عمليتي القاء قبض على مرتكبي هذه النوعية من الجرائم كما اشار كذلك الى ان مكتب التحقيقات الفيدرالي الامريكي قد اطلق 90 تحقيقاً في جرائم تتعلق بالكراهية والحقد وقال: «انني اريد ان اوضح بجلاء ان الهجمات التي تتم ضد الامريكيين العرب والتهديد بها لن يتم التسامح مع مرتكبيها. ومكتب التحقيقات الفيدرالي الامريكي ووزارة العدل ملتزمان بالقيام بالتحقيق المكثف ومقاضاة منتهكي القوانين الاتحادية التي تحظر جرائم الحقد والكراهية». وقد التقى مسئولو دائرة الحقوق المدنية في وزارة العدل بصورة منتظمة وقادة الجالية منذ 11 سبتمبر واطلقوا عدداً من البرامج القومية التي استهدفت التسهيل في مجال الابلاغ عن جرائم الحقد والكراهية ومساعدة الامريكيين العرب في توفير المواد التثقيفية التربوية حول الثقافة العربية والدين الاسلامي لمدارس امتنا واقامة علاقات افضل بين الامريكيين ووكالات تنفيذ القانون». وفي هذا الصدد قدم وزير التعليم مساعدة تستحق الاشادة واصدر تعميماً موجهاً للمدارس الامريكية تضمن القول: «انني ادعوكم للتأكد من ان الاجتماعات ومناقشات الفصول وغيرها من الانشطة المدرسية التي تقام تكريماً لضحايا المآسي لا تؤدي بشكل غير مقصود الى استهداف الطلاب الامريكيين العرب او مضايقتهم او القاء اللوم عليهم. ولابد لنا من ان نؤكد خلال هذا الوقت الصعب في تاريخ امتنا ان شعورنا بالغضب والحزن لا ينبغي ان يوجه للأمريكيين العرب الابرياء او لأي افراد اخرين لا صلة لهم باحداث 11 سبتمبر، اننا اذا عملنا معاً فسيكون بمقدورنا التيقن من ان يحصل ابناؤنا على تعليم جيد في بيئة آمنة لا تتعاطف مع العنف والكراهية». كما بعثت قيادة الكونجرس كذلك برسائل دعم قوية الى الجالية الامريكية العربية واقر مجلس الشيوخ والنواب مشروع قانون يتضمن الاشارة الى ان الكونجرس: «يعلن انه في غمار السعي الى تحديد هوية ومقاضاة ومعاقبة مرتكبي الهجمات الارهابية على الولايات المتحدة في 11 سبتمبر عام 2001 فإن الحقوق والحريات المدنية للأمريكيين كافة بمن فيهم الامريكيون العرب والامريكيون المسلمون والامريكيون من جنوب اسيا ينبغي حمايتها كما يدين اي عمل من أعمال العنف أو التمييز ضد أي أمريكي بمن في ذلك الأمريكيون العرب والأمريكيون المسلمون والأمريكيون من جنوب الاسيان. ومن المهم بالدرجة نفسها في اطار هذا الجهد قيام المتحدث باسم الأقلية في الكونجرس ديفيد بونجور بإطلاق مشروع قانون في الكونجرس في هذا الصدد وعقده اجتماعات مع الأمريكيين العرب والمسلمين في كل من واشنطن وفي ولاية ميتشيجان لمناقشة كل من مشكلتي رد الفعل على أحداث 11 سبتمبر وخطر انتهاك الحريات المدنية الذي قد ينشأ من جانب المبالغة في التحمس الى حد الإفراط والتعسف في فرض القانون. وكذلك اصدار تشريع مضاد للإرهاب على أسس مضللة. وكما التقى الرئيس الأمريكي مع الأمريكيين العرب والمسلمين كذلك التقت بهم قيادة الكونجرس فقد عقد قادة الاغلبية والاقلية في مجلس النواب الامريكي اجتماعاً في الأسبوع الماضي مع الجالية العربية لإظهار الدعم والتأييد. وقامت قيادتا الأقلية والأغلبية بمجلس الشيوخ بالشيئ نفسه. وفي اجتماع مجلس الشيوخ في وجه زعيم الأغلبية في المجلس توم داشل نداء قوياً بشكل خاص أشار فيه الى أن «الغالبية الكاسحة من الناس تتفهم بصورة غريزية أن الطريق الذي من خلاله نجتاز الأوقات الصعبة يمر بمد ايدينا بعضنا الى البعض الآخر وليس بمد ايدينا بعضنا على الآخر. ومن سوء الطالع ان تفهم ذلك لا يقوم به الجميع. فخلال الاسبوعين الماضيين ارتكبت مئات الجرائم في عشرات من الولايات ضد الامريكيين العرب والمسلمين وضد السيخ وآخرين. وكما أن الارهابيين ينتهكون تعاليم الاسلام السمحة فإن من يرتكبون جرائم الحقد والكراهية ينتهكون مبادئ أمتنا. وفي اطار جهد يبذل للتعامل مع مشكلات التمييز الذي قد ينشأ في أماكن العمل، قامت لجنة تكافؤ فرص العمل التابعة للحكومة الامريكية وكذلك لجنة العمل المتكافئ وهما اللجنتان اللتان تشكلان مظلة تمثل النقابات الامريكية بإصدار بيانات قوية حول هذا الموضوع. وجاء في بيان اللجنة الأولى: «في قلب هذه المأساة يتعين على أصحاب الاعمال التزام اليقظة فيما يتعلق بأمثلة المضايقة أو التهديد ضد العاملين الامريكيين العرب والمسلمين. إن منع وحظر أشكال المظالم الموجهة الى اخواننا من العمال تعد طريقة في الرد على الارهاب وفي التصدي لقوى الشر التي تهاجم اماكن عملنا. إن قواتنا تؤكد ان قيمنا الوطنية المتعلقة بالتسامح والسلوك ينبغي الالتزام بها. وفي وقت المحنة هذا فإن هذه القيم ستقوي من عزمنا كشعب تجمعه روابط لا حصر لها». وتشكل هذه التعليقات مجموعة محددة فحسب من أقوال وتصريحات لا حصر لها صدرت عن المسئولين وقادة التنظيمات المدنية وكان ذلك ايضاحا جليا لافضل السمات التي يتمتع بها مواطنونا الامريكيون والتي صدرت عنهم في غمار الدفاع عن الامريكيين العرب والمسلمين وتوضيح البيانات التي قمنا بجمعها في غمار عمليات استطلاع الرأي ان هذا التأييد كله له تأثير ايجابي على مواقف الرأى العام. ففي نهاية الاسبوع الماضي اوضح استطلاع للرأي اجري بشكل يومي من قبل مؤسسة زغبي الدولية انه بأغلبية 63 ضد 11 اعرب الامريكيون عن مواقف ايجابية تجاه الامريكيين العرب وكذلك كانت هناك اغلبية مماثلة تقريباً هي 61 ضد 12 تعرب عن تعاطفها مع الامريكيين المسلمين. ومن المؤكد ان هناك مشكلات لا تزال قائمة حيث يشعر الامريكيون بالحيرة حول الكيفية التي يبدون فيها رد فعلهم ازاء المقترحات المتعلقة بالبدء في التعرف على هويات العرب بشكل خاص في المطارات. وبينما ترفض اقلية كبيرة من الامريكيين مثل هذا الاقتراح فقد وردت عدة تقارير عن قادة طائرات طلبوا من الركاب العرب والمسلمين مغادرة طائراتهم لأن وجودهم يجعل الركاب الآخرين يشعرون بعدم الارتياح، وحتى الآن قامت وزارة النقل وشركتا طيران هما دلتا وأمريكان إيرلاينز بإصدار بيانات قوية توجه اللوم للقائمين بهذا النوع من التصرف. ومع استمرار تطور الصراع فإن علينا ان نظل يقظين فلابد من مكافحة الارهاب ولكن التعصب ايضا لابد من مقاومته. غير ان المؤشرات الاولى توضح الحقيقة القائلة انه على الرغم من بعض الصعوبات وبعض الاعمال الاجرامية فإن الامريكيين يقفون موحدين في مواجهة هذين التحديين كليهما. وبعد ثلاثة اسابيع من الهجمات الرهيبة على نيويورك وواشنطن فإن تصميم امريكا لا يزال قائماً والامريكيون العرب والمسلمون يلقون الاحترام والحماية من قادة أمتنا. ـ رئيس المعهد الامريكي العربي بواشنطن