عام على الانتفاضة انتهى نهاية دراماتيكية، فبعد أحداث أمريكا انقلبت أوضاع العالم كله، وكان طبيعيا أن ينعكس ذلك على بؤرة اللهب في منطقتنا حيث يدور الصراع الدامي بين الاحتلال الاسرائيلي والمقاومة البطولية لشعبنا العربي في فلسطين. فأمريكا التي تركت المنطقة على حافة الانفجار طوال عام الانتفاضة ـ والتي أعلنت انها لن تتدخل فيما يجري على أرض فلسطين، وستترك اسرائيل تنجز المهمة وتقضي على المقاومة وتفرض الأمر الواقع . أمريكا هذه وجدت نفسها مجبرة على الانقلاب على سياستها في المنطقة. فهي أعلنت الحرب على ما تسميه الارهاب الدولي، وطالبت العالم كله بأن يصطف وراءها في هذه الحرب التي تستعيد فيها هيبتها وتثأر لما حدث لها، وتؤكد للجميع أن ماحدث لن يؤثر في هيمنتها المطلقة على العالم لسنوات ستطول. وأمريكا تدرك أن حربها هذه مستحيلة بدون تأييد الدول العربية والاسلامية، والا تحولت (زلة اللسان) التي تفوه بها رئيسها الى حقيقة، وأصبحت الحرب فعلا حربا صليبية جديدة بكل معنى الكلمة وقد استخدمت أمريكا كل الوسائل من ترغيب وتهديد للحصول على موافقة هذه الدول®. ولكن ماذا عن الشعوب التي قاست آثار السياسة الأمريكية طويلا، والتي ترى شعب فلسطين يواجه المذبحة الاسرائيلية بطائرات أمريكا وصواريخها، وبدعمها ومباركتها. كان لابد أن تتحرك أمريكا وهي تعد مسرح العمليات، وبالفعل تحركت، وأجبرت شارون على الموافقة على لقاء بين وزير خارجيته بيريز مع عرفات بعد طول ممانعة، وبدأ الحديث عن تنفيذ خطة (تيني) رئيس المخابرات المركزية الأمريكية لاستعادة (الهدوء) تمهيدا لاستئناف المفاوضات. أما عرفات فقد حسم أمره منذ بداية الأحداث، وأعلن انضمامه للتحالف الأمريكي، ووقف أمام عدسات التلفزيون والصحافة لنقل صوره وهو يتبرع بالدم لضحايا أحداث أمريكا! وأعلن ايقاف اطلاق النار حتى لو استمرت اسرائيل في اعتداءاتها ثم ذهب للقاء بيريز ليخرجا باتفاق تام حول التنسيق الأمني!! وأما اسرائيل فقد حاول شارون من البداية استغلال الموقف لأقصى درجة، وحاول المساواة بين الانتفاضة والارهاب، وبين عرفات وبن لادن، وانتهاز موجة التعصب ضد الاسلام والعرب في أوروبا وأمريكا لتوسيع عدوانه على شعب فلسطين، وتصوير هذا العدوان على أنه جزء من الحرب العالمية ضد الارهاب! حاول شارون، ولكن أمريكا أدركت خطورة الانسياق في هذا الطريق الذي يحيل معركتها الى صدام مع المسلمين والعرب، بدلا من أن تكون مواجهة للارهاب كما يريد العالم، واستعادة للهيبة وانتقاما لكرامة وتوسيعا للنفوذ كما تريد هي ومن هنا كان قرارها بتهدئة الموقف على أرض فلسطين ووقف المذبحة الاسرائيلية ولو الى حين. ولا نقف طويلا أمام الموقف الأمريكي، فالدولة المهيمنة على العالم تبحث عن كل ما يفيد معركتها، ولا يعنيها أن تبدل مواقفها وتغير سياساتها ـ مادامت (المصلحة الأمريكية) وحدها هي الهدف في كل الحالات. ولا نقف طويلا أيضا أمام الموقف الاسرائيلي، فشارون اذا كان قد رضخ للضغوط الأمريكية، فهو يعلم أن كل التحركات الامريكية مازالت في الحدود الآمنة بالنسبة له. فالحديث مازال عن قضايا الأمن، وايقاف الانتفاضة، أما القضايا الاساسية فمازالت مؤجلة، والأرباح الاسرائيلية حتى الآن مؤكدة تثبت التحالف مع أمريكا، وايقاف الانتفاضة، وتأجيل القضايا المهمة الى ماب عد الاحداث المرتقبة وساعتها سيكون التحالف الأمريكي ـ الاسرائيلي في موقف أفضل، بينما يكون الجانب الفلسطيني في أضعف حالاته. ومايهمنا هنا هو الموقف الفلسطيني الذي يجد نفسه بعد عام من الانتفاضة في مفترق الطرق، وفي أوضاع صعبة، وأظنها ستزداد صعوبة في الأيام المقبلة. فالسلطة الفلسطينية كان كل همها بعد أحداث أمريكا أن تثبت براءتها مما جرى، وأن تؤكد أنها لم تشارك من قريب أو بعيد في أحداث نيويورك وواشنطن، وانها بريئة من مظاهر الابتهاج التي تم تصويرها على وجه بعض الصبية الفلسطينيين، وهو ابتهاج قد يكون له مايبرره اذا تذكرنا الطائرات الأمريكية تقصف المدن والقرى ومعسكرات اللاجئين الفلسطينيين على مدى عام كامل وبتأكيد رسمي على أعلى مستويات الادارة الأمريكية فإن من حق اسرائيل استخدام الأسلحة الأمريكية في عدوانها على المدنيين الفلسطينيين®. قد يكون لمظاهر الابتهاج مايبررها ومع ذلك فقد كانت نادرة لأن تقاليد العرب وأخلاق الاسلام لا تسمح بما وقع، ولأن الأحداث علمتنا أن جزءا كبيرا من الثمن سيكون كالعادة ـ من نصيبنا! وربما تكون السلطة الفلسطينية قد نجحت في نيل البراءة من أمريكا وفتح أبواب للحوار معها كانت قد انقطعت، ولكن®. ماذا بعد؟ وماهو الثمن؟ قبل الاجابة نقول ان عرفات والسلطة ليسا وحدهما المسئولين عما جرى وما سيجري، ولكن المسئولية الأكبر تقع على الموقف العربي فهل من المعقول أن يحدث كل ماحدث ـ وان يتعرض العرب والمسلمون لهذه الهجمة الشرسة، وأن يوضع الاسلام والعروبة في موضع الاتهام، وان تنطلق الحملة المسعورة في الغرب تنادي بالحرب الصليبية، وان يقف العالم كله على ابواب مرحلة ستحدد مسار الأحداث لعشرات أو مئات السنين يحدث ذلك كله والعرب ـ حتى الآن بلا موقف؟ هل من المعقول أن تواجه المنطقة كل هذه الاخطار فلا ينادي القادة العرب الى قمة تجمعهم، والى موقف موحد يعبر عنهم؟ هل من المعقول أن تواجه الأمة العربية مثل هذه الكارثة، فلا يستطيع أمين الجامعة العربية عمرو موسى رغم جهوده الدائبة أن يجمع حتى وزراء الخارجية العرب ليقولوا لأمريكا وللعالم انهم ليسوا متهمين بل ضحايا الارهاب عانوا منه طويلا ومازالوا، بينما وقفت أمريكا وأوروبا تتفرج وتظن أنها بعيدة عن الوباء الذي اطلقته. هل من المعقول والعالم يواجه مثل هذه الأخطار أن تغيب أي درجة من التنسيق في المواقف بين الدول العربية، فتتباين المواقف وتتعدد الرؤى، وتعلن نظم عديدة انضمامها لتحالف لا يريد أن يعلن عن أعدائه، ويرفض الافصاح عن المناطق التي سيضربها، ويريد كارت على بياض بأن يذهب المتحالفون معه حيث يريد، ويضربون حيث يرى. ولقد قدمت مصر رؤية مختلفة، رفضت فيها التحالف، وطالبت بالتروي وانتظار نتائج التحقيقات، وجددت دعوتها لمؤتمر دولي يحدد ما هو الارهاب المقصود ويضع القضية كلها تحت اشراف الأمم المتحدة وطالب صاحب السمو الشيخ زايد بتحالف مواز لمعالجة القضية الفلسطينية واعادة الحقوق المشروعة لأصحابها. ولو وجدت هذه الرؤية دعما عربيا واسلاميا لكانت أساسا لموقف قوي يجبر العالم على احترامه والتعامل معه. ولكن ماحدث كان استمرارا لحالة العجز العربي والفرقة الاسلامية، وكانت النتيجة أن تخلت مصر عن شروطها وتحفظاتها على التحالف، واصبح المؤتمر الدولي قضية مؤجلة لأعوام لأن أمريكا لا تريده، واصبحت الارادة الأمريكية بديلا عن الشرعية الدولية المطلوبة من الأمم المتحدة ومجلس الأمن لأي تحرك. وهو الأمر الذي يترك يد أمريكا طليقة في تحديد ما هو الارهاب، وماهي المنظمات الارهابية، ومتى وكيف ستضربها! الأمر الايجابي البعيد هو في محاولة التركيز على القضية الفلسطينية وضرورة التعامل معها في ضوء قرارات الشرعية الدولية على اعتبار ان بقاء الأوضاع الحالية لن يحقق الاستقرار في المنطقة وسيترك المجال واسعا لحركات التطرف وتوافق أوروبا على ذلك ولا تعترض امريكا، فما يهمها الآن أن تنجح في حملتها وأن تسكت كل صوت معارض، وبعدها سيكون لكل حدث حديث. وقد حادثت هذا الأسبوع اكثر من مسئول فلسطيني ولم أجد عند أحد منهم تفاؤلا بالموقف الأمريكي تجاههم، والكل يتحدث عن تكرار الخديعة التي حدثت اثناء حرب الخليج الثانية حين بشرت الولايات المتحدة الأمريكية العرب بحل نهائي للقضية الفلسطينية بعد الانتهاء من تحرير الكويت، وكان ما كان بعد ذلك ومايخشى الجميع من تكراره في ظل حالة العجز العربي المتفاقمة. وبوادر الخطر هائلة على الأوضاع الفلسطينية فمن ناحية هناك الرفض الشعبي لايقاف الانتفاضة والتنسيق الأمني بين السلطة الفلسطينية والاسرائيلية والمخابرات الأمريكية والذي ستدفع ثمنه بلا شك فصائل المقاومة كما كانت تدفعه قبل اندلاع الانتفاضة. ولا شك أن تجربة العام الماضي في ظل انتفاضة الأقصى قد أفرزت وعيا عميقا لدى كل الفصائل بضرورة توحيد المواقف في مواجهة العدو، وبالايمان بأن استمرار الانتفاضة أمر حتمي لأن أي مفاوضات في ظل الهيمنة الأمريكية والهوس الشاروني لن تؤدي الى نتيجة. ويزداد الأمر خطورة في ضوء عدة حقائق أبرزها: ـ إن العلاقة بين تل أبيب وواشنطن أقوى من أي تحالف. واذا كانت الظروف قد حتمت ابعاد اسرائيل عن التحالف الذي تبنيه أمريكا اليوم كما فعلت في حرب الخليج، فإن ذلك لن يمنع تل أبيب من أن تكون طرفا أساسيا في هذا التحالف سواء بالتعاون المخابراتي أو التسهيلات العسكرية أو اعمال التخريب الداخلية في دول أجنبية مستهدفة، أو ـ وهذا هو الأهم ـ بابعاد الاتهامات ضدها كأكبر منظمة ارهابية في العالم تمارس ارهاب الدولة تحت حكم عصابات المافيا الصهيونية النازية وبمحاولة توريط المنظمات الفلسطينية في صدام مباشر مع أمريكا. ان السياسة الأمريكية مازالت ـ في حقيقتها ـ تمنح الدعم والمشروعية للارهاب الاسرائيلي، بينما تصف المقاومة الفلسطينية المشروعة للاحتلال الاسرائيلي بانها اعمال ارهابية مرفوضة وفي الوقت الذي كانت واشنطن تعطي بركاتها لاجتماع التنسيق الأمني بين عرفات وبيريز، كانت تعلن انها تريد اجراءات على الأرض من الفلسطينيين وتدعو لضرب منظمات المقاومة، وكانت كوندارايس مستشارة الأمن القومي تعلن انه (لا يوجد ارهاب سيئ وارهاب حسن) في اشارة لرفض أمريكا الاقرار بحق الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال وهو الحق الذي تقره كل القوانين الدولية. الكشف عن أن الموقف المتشدد الذي اتخذته ايران في الأيام الاخيرة يرجع الى مطالبة أمريكا لايران (بالتعاون في قمع أعمال المقاومة ضد الاحتلال الاسرائيلي) ورفض طهران القاطع تقديم أي مساعدة في هذا المجال. هذا وغيره من المواقف والتصريحات، يكشف عن مدى الاخطار التي يواجهها العرب (وفلسطين في القلب) فلا حديث عن حل نهائي وحاسم للقضية الفلسطينية، بل كل الحديث عن التنسيق الأمني ووقف الانتفاضة، والحليف الاسرائيلي لن يدخل في العلن في التحالف ضد الارهاب ولكنه سيظل في علاقته الاستراتيجية مع أمريكا والتي عبر عنها وزير الخارجية الامريكي كولن باول حين سئل عن سر الكراهية التي تتمتع بها بلاده في العالم، فكانت اجابته انها اسباب كثيرة منها الدعم الأمريكي لاسرائيل، ثم اضاف: لكن هذا الدعم سيستمر! أما أكبر الاخطار فهو ادراج منظمات المقاومة الفلسطينية ضمن منظمات الارهاب التي يجرى بناء التحالف الأمريكي لمواجهتها حتى لو جرى ذلك بدون اعلان!. ولن يكفي لمواجهة ذلك أن يتبرع عرفات بدمائه للضحايا الأمريكيين، ولا أن يعلن وقف اطلاق النار، ولا أن يعلن انضمامه للتحالف الامريكي (الذي يضع منظمات المقاومة ضمن أهدافه)! هذا كله عبث. والمطلوب الآن ـ أكثر من أي وقت مضى ـ أن نعلن التمسك بخيار المقاومة، وان نقدم كل الدعم للانتفاضة، وان نعلن للعالم ان حقنا في النضال ضد الاحتلال ليس محل مساومة، وان نؤكد أن الارهاب الحقيقي هو الذي تمارسه اسرائيل، وان الحلف الذي تدعو اليه أمريكا لن يكون حلفا ضد الارهاب الا اذا كانت تصفية الاحتلال الاسرائيلي ضمن أهدافه. أعرف أن الضغوط الأمريكية هائلة، ولكن بدون اتفاق عربي شامل يتم اعلانه رسميا برفض العرب لابتزازهم تحت شعار محاربة الارهاب، وبالتأكيد على رفض ضرب أي دولة عربية تحت هذا الشعار، وبالتمسك بأن فصائل المقاومة الفلسطينية تمارس حقها المشروع في مقاومة الاحتلال، وبأن انهاء الارهاب الاسرائيلي هو المدخل الأساسي لاستقرار هذه المنطقة وضمان مصالح كل الأطراف بدون اعلان رسمي عربي بهذه المبادئ التي تحكم حركة الدول العربية كلها في هذه الأزمة®. فسوف يجد العرب أنفسهم وسط الجحيم الذي تحرسه أمريكا تحت شعار مكافحة الارهاب!! وسلام على شهداء انتفاضة شعب لن تضيع دماؤه هدرا، بل ستكتب سطور البداية في كتاب الاستقلال الفلسطيني، وسطور النهاية لأسوأ ارهاب تعانيه البشرية. نائب رئيس تحرير جريدة « اخبار اليوم »المصرية