«جنيف 11 سبتمبر 2001».. صباح مشمس آخر من صباحات الأيام الاخيرة من صيف جنيف وهو يسلم الراية لخريفها الذي بدأت تباشيره على شكل موجات من الغيوم تغطي سماء المدينة لترسل زخات خفيفة من المطر، ثم ما تلبث ان تنزاح لتعود الشمس تبث الدفء مرة اخرى في الاجساد الحائرة بين ارتداء المعاطف وخلعها، والايدي المترددة بين حمل المظلات توقعاً للمطر والاستغناء عنها. كانت عقارب الساعة قد جاوزت العاشرة من صباح ذلك اليوم بقليل عندما امتدت يدي في كسل لذيذ ـ والاجازة توشك على الانتهاء ـ لأدير جهاز التلفزيون على احدى المحطتين الناطقتين باللغة الانجليزية بين اكثر من خمسين محطة تزدحم بها ذاكرة تلفزيون الغرفة تنطق جميعها ـ باستثناء اثنتين ـ بكل لغات الدنيا عدا الانجليزية والعربية بالطبع. كانت محطة بي. بي. سي العالمية تبث في تلك اللحظة برنامجاً تسجيلياً عن حياة اللاجئين الفلسطينيين داخل الارض المحتلة وفي المخيمات الفلسطينية في لبنان. برنامج رائع ينتقل بسلاسة من موقع الى آخر، وان كان انتقالاً مرا بين مظاهر البؤس، مركزاً على معاناة الاسر وخاصة النساء والاطفال والحياة المزرية التي يعيشونها في بيوت اشبه ما تكون بالخرائب، مقارناً بينها وبين الحياة المرفهة التي يعيشها اليهود وأطفالهم في المستوطنات الاسرائيلية المقامة على شكل بيوت جميلة حديثة مغطاة بالقرميد تنتشر حولها الخضرة وتحيط بها الاسلاك الشائكة ويحرسها جنود مدججون بالسلاح. سيدة فلسطينية من احد المخيمات تصرخ في وجه الكاميرا متذمرة شاكية من عدد المرات التي زارتها فيها اجهزة الاعلام المختلفة دون ان يتغير من الامر شيء. اذن ثمة اقتناع ان باستطاعة الاعلام ان يغير من مجرى الامور؟ مؤشر يسعد كل من يعمل في هذا المجال ويشعره بالزهو. كان هذا هو اكثر ما شد انتباهي واثار اهتمامي الى جانب ذلك التحول الذي احدثته الانتفاضة في اجهزة الاعلام العالمية. متى كنا نحلم بأن تجرؤ محطة تلفزيون غربية محلية وليست عالمية كالبي. بي. سي على عرض برنامج يتحدث بمثل هذه الصراحة عن معاناة الشعب الفلسطيني؟ يذكرني هذا البرنامج بالحلقة التي قدمتها المحطة نفسها من برنامج «بانوراما» قبل فترة عن مجزرة صبرا وشاتيلا عندما وجهت الاتهام مباشرة للارهابي ارييل شارون، وما أثارته تلك الحلقة من ضجة كبرى وردود افعال غاضبة لدى اليهود وفي الاوساط التي يسيطر عليها الصهاينة وفي مقدمتها اجهزة الاعلام ومراكز المال. تنتهي الحلقة على نغمات العود وصوت مطرب فلسطيني يردد بشجن: «بلادي بلادي بلادي.. لك حبي وفؤادي» تبعث الاغنية في نفسي نشوة غير عادية كأنني استمع اليها للمرة الاولى، لقدح «الكباتشينو» طعم مختلف حين تتناوله في احد مقاهي ارصفة «جنيف» تحت اشعة شمس تسعى اليها بحثا عن الدفء في هذا الطقس المائل للبرودة. كل الاجواء كانت مهيأة كي انهض في همة ونشاط للحاق بقدح «الكباتشينو» اليومي المعتاد. تمضي ساعات النهار مسرعة لتطوي يوماً آخر من ايام الاجازة. حوالي الرابعة مساءً اعود الى الفندق، ابادر كالعادة بفتح جهاز التلفزيون.. على الشاشة مشهد غير عادي.. مبنى كبير يحترق وتعليق من داخل الاستوديو باللغة الفرنسية.. لا افهم منه شيئا.. انتقل الى المحطة التالية.. المشهد نفسه وتعليق بالالمانية لا يغير من الامر شيئا.. محطة ثالثة وتعليق بالايطالية.. سريعا أتنقل بين المحطات.. تتغير اللغة والمشهد واحد لا يتغير.. اخيراً اصل الى الـ «سي.إن.ان».. لا يمكن ان يكون هذا المشهد حقيقياَ ولا يمكن ان اصدق ما اسمع.. لو كنا في الاول من ابريل لما خامرني شك في انها كذبة محكمة التنفيذ والاخراج.. ولكننا في شهر سبتمبر وليس ثمة ما يدعو للكذب.. هل يمكن ان تكذب كل هذه المحطات وبكل هذه اللغات؟!! ساعة.. ساعتان.. أربع ساعات وأنا متسمّر أمام شاشة التلفزيون والدهشة مازالت مستمرة.. وكل المحطات بكل اللغات تتابع الحدث بذهول. شيئاً فشيئاً تتضح الصورة.. ما يحدث شيء غير عادي لم تنتجه بعد استوديوهات هوليوود ولم تصل الى مثله مخيلة كاتب.. المخيلة الوحيدة التي وصلت اليه هي عقول جماعات الغت من حساباتها تماماً حياة الابرياء من مختلف الاديان والملل والجنسيات. ما ذنب أناس خرجوا من بيوتهم في الصباح الباكر؟ منهم من ودع صغاره ومنهم من لم يفعل.. منهم من اتجه لطائرات لم يتخيل ابداً انها ستتحول الى صواريخ موجهة ونعوش طائرة.. ومنهم من اتجه لمكاتب لم يتصور انها ستصبح قبوراً غير ممهدة للدفن ومقابر جماعية يعلوها الركام؟ اشعر بالانقباض منذ الوهلة الاولى.. فأقرب المرشحين لتحمل مسئولية ما أراه على الشاشة ـ بحكم التجربة ـ هم اناس من عرقي وديني.. يتأكد هذا الاحساس بعد ساعات من الضربات الاربع التي اذهلت العالم فتتجه اصابع الاتهام الى متطرفين مسلمين وتضم القائمة اسماء عربية تألفها الاذن.. لقد وقعت الواقعة اذن ولا يعلم إلا الله وحده عواقبها. «جنيف من 12 الى 16 سبتمبر 2001» هدوء أقرب الى الذهول يسيطر على الشارع السويسري.. مشاة يقرأون الجرائد وهم يعبرون الشوارع وآخرون في سياراتهم المتوقفة عند الاشارات الحمراء.. منظر لم تألفه العين في دول الغرب.. أحاول استراق السمع على الطاولات المجاورة في المقاهي والمطاعم فأستمع الى لغات مألوفة واخرى غير مألوفة.. التقط من الحوارات اسماء تتردد في نشرات الاخبار جميعها عربية.. وكلمة «اسلام» تتردد في كل مكان.. أشعر بالحرج.. لا.. بل اشعر بالحزن والاسى للصورة التي قدمها من اقدم على هذا العمل عن الاسلام والمسلمين ـ لا يمكن اطلاقاً ان يكون هؤلاء واجهة للدين الذي لا يقر سفك الدماء ولا قتل الابرياء.. هذا ان صحت الاتهامات التي وجهت لهم. اعود الى الفندق.. الى التلفزيون مباشرة.. لليوم السادس على التوالي لا اسمع ولا اشاهد خبراً عن الانتفاضة.. فلا حديث إلا عن الارهاب.. هذه هي احدى النتائج.. هل رأيتم ما فعل بنا اولئك المهاجمون الذين مازالوا لغزا؟!! «مطار جنيف 17 سبتمبر 2001» افكار عدة تتجاذبني.. تتوزع بين الرعب الذي زرعته الهجمات في نفس كل من يتعامل مع الطائرات والمطارات، وبين الصورة التي تركها اولئك الذين اعلن انهم منفذوها عن كل عربي ومسلم.. أتردد وأنا اضع جواز سفري امام ضابط الجوازات في المطار رغم مبادرته لي بالتحية «بونجور».. ينظر في بيانات الجواز ثم ينظر اليّ.. يعيد الجواز بعد ختمه مودعاً «اورفوار» .. اتمنى لو أرى هذا المظهر الحضاري في مطاراتنا.. مجرد أمنية لم تتحقق بعد سبع ساعات من الطيران في هذا اليوم. على باب الطائرة تطلب مني موظفة الخطوط السويسرية تسليم حقيبة اليد التي احملها لموظف يقوم بوضعها مع حقائب اخرى لحملها الى اسفل الطائرة في المكان المخصص للحقائب.. شك فينا هذا أم هو حرص زائد علينا؟ لا فرق فالنتيجة واحدة. «على ارتفاع 37000 قدم» في الطائرة من جنيف الى الامارات يمر شريط اشبه بالكابوس.. بدأت احداثه يوم الحادي عشر من سبتمبر ولا نعرف كيف ستكون نهايته. «اليوم وغداً والايام التالية» كم اتمنى ان تكون الصورة اقل قتامة مما اتوقع او اتصور او اخشى!