ما حدث في واشنطن ونيويورك في الحادي عشر من شهر سبتمبر الحالي، امر غير عادي وغير مسبوق ولم يكن في حسبان أحد، بل كان مفاجأة كبيرة عقدت الألسن وأذهلت النفوس، وحار في أمرها أمهر المحللين السياسيين، ولا سيما ان الهجمات وقعت على أكبر قوة عالمية في القرن الحادي والعشرين. وعقب هذا الحدث النادر في مركز التجارة العالمي، بكت أمريكا كلها، وأبدت عظيم حزنها وحسرتها. ولكنها بعد ان ودعت ضحاياها وكادت تطوي صفحة الأسى، اخذت تزبد وترغي وتزمجر وتهدد بالويل والثبور ضد من ارتكبوا العمل الذي أودى بحياة الآلاف، واحال اكبر ناطحات السحاب الى يباب وأنقاض وقاع صفصف، وبدأت تعد قوائم حول مراكز الارهاب في العالم، ولا سيما في افغانستان. ومن الناحية الانسانية والاخلاقية، علينا جميعا ان ندين ما حدث، وننحي باللائمة على الفاعلين، لأن معظم الضحايا كانوا من الناس الأبرياء الذين لا ناقة لهم ولا جمل في حلبة الصراعات الدولية، ولا سيما منهم ركاب الطائرات. واذا نظرنا الى الامر من هذه الزاوية وحدها، وبالمنظار المذكور ذاته، فاننا نستطيع ان نعد الاعتداء عملا ارهابيا، بكل ما تنطوي عليه هذه الكلمة من معنى سلبي. ولكن النظرة تختلف والمعيار يتبدل، اذا عالجنا المسألة من منطلق سياسي. فالممارسات الأمريكية في العالم مزدوجة الهوية، وتنطوي على بعض التناقض. وحتى نكون موضوعيين ومنصفين، فاننا لا ننكر ان سياسات واشنطن، بناءة في بعض الحالات، ومن ذلك مثلا، تقديمها مساعات مالية واقتصادية، لبعض الدول التي ينهشها الفقر ويعصف بها ضيق اليد، وكذلك تشجيعها الديمقراطية ودعمها لانتشارها في كثير من بقاع العالم، ناهيك بسعيها الى محاكمة بعض مجرمي الحرب في محكمة لاهاي الدولية، حتى ينالوا العقاب جزاء على اقترفته أياديهم السوداء. ولكن للاسف، فان هذه الايجابيات كثيرا ما تخضع بالدرجة الاولى للمصالح الامريكية العليا، اكثر مما تتم على اساس انساني ونبيل. فالشعب العربي يعاني اليوم من آثار هذه السياسة الداعمة لاسرائيل. وهناك ظلم تاريخي فظيع لحق بالشعب الفلسطيني الذي تعرض للقتل والتشرد وسلب الممتلكات. ولولا مواقف الولايات المتحدة المؤيدة، لما استطاعت الدولة العبرية ان تمضي في غيها وبغيها، ولقضت نحبها، منذ زمن طويل. وأكثر من ذلك، فان حماس امريكا للحل السلمي العادل، قد فتر واضمحل في عهد الرئيس بوش الابن الى حد بعيد، اذ تقلص اسهامها في التسوية، من دور الشريك الى دور الوسيط، وأخيرا الى دور المراقب. وليس من المستبعد ان يتحول اخيرا الى دور المتفرج، إذا بقيت سياسة بوش على حالها، ولم تتبدل بتأثير الأحداث الأخيرة التي هزت العالم كله، إذن، هناك حيف واضح تعرض له الفلسطينيون والعرب، ولكن هذا لايعني ان الذين قاموا بالعمليات في واشنطن ونيويورك هم بالضرورة عرب أو مسلمون، لأن المهم الأدلة العملية الثابتة والدامغة، فمثل هذه الأدلة هي التي يجب ان تكون الفيصل ومعيار الحكم، لا التكهنات الطائشة والمُغرضة. ولا شك ان التساؤل المهم الذي يطرح نفسه بإلحاح يتعلق بمدى تأثير الأحداث الأخيرة في مستقبل الصراع في الشرق الأوسط، وهو الموقف الأمريكي من التسوية السلمية، ومن المعلوم ان بوش الأب هو أول من حرك عملية السلام بجدية، من خلال مؤتمر مدريد، بعد ان كانت هذه العملية مقتصرة على اتفاقيات كامب ديفيد بين مصر واسرائيل. وعقب مجيء بوش الابن توقع الجميع ان يسير على المنوال نفسه ويكرر الوتيرة ذاتها، ولكن الذي حدث هو العكس، إذ تراجع الاهتمام الأمريكي بمشكلة الشرق الأوسط، بل ربما بجميع قضايا العالم، ولكن الأمور بعد أحداث مركز التجارة العالمي والبنتاجون يتوقع ان تتخذ منحى جديداً فإما ان تتجه أمريكا نحو معاقبة العرب والمسلمين بدعوى انهم وراء هذه الأحداث، وتتخذ مواقف أكثر سلبية وأشد عداءً تجاههم، أو ان تسلك مسلكاً معتدلاً يميل إلى شيء من العدالة والانصاف والمصالحة حتى ترضيهم وتغلق الباب أمام التطرف. الاحتمالان في رأينا واردان، ولكننا نرجح الاحتمال الثاني بدليل ان الولايات المتحدة قامت في الثامن عشر من سبتمبر بالضغط على اسرائيل حتى تنسحب من المناطق التي احتلتها مؤخراً، وكانت سابقاً تحت سيطرة السلطة الفلسطينية، مثل أريحا وجنين، وذلك بعد ان أعلن عرفات في اليوم السابق عن وقف لاطلاق النار، ولكن هذا التطور لا يكفي، على كل حال، ليكون مؤشراً على تبدل السياسة الأمريكية، وإن كان الكثيرون يعتقدون ان تغيراً سياسياً سيحصل لا محالة، لأن الولايات المتحدة تريد استرضاء العرب حتى ينضم أكبر عدد منهم إلى التحالف الدولي الجديد ضد الارهاب، كما انها إذا استطاعت ان تحقق تسوية عادلة في الشرق الأوسط فسوف تقضي على الكثير من مشاعر الكراهية ضدها. وقولنا هذا يجب ألا يوحي بأن العرب هم المسئولون عن الأحداث الأخيرة، فالتحقيقات مازالت جارية بهذا الشأن وتشير بعض الدلائل إلى ان المخابرات الاسرائيلية بالذات كانت على علم بما وقع، و أحد الأدلة على ذلك ما تردد من آلاف الاسرائيليين لم يذهبوا إلى أماكن عملهم في مركز التجارة العالمي، يوم دكته الطائرات المخطوفة، ومهما كانت هوية أولئك الذين اختطفوا الطائرات، وقاموا بنسف ناطحات السحاب الأمريكية فأحالوها إلى ركام وأطلال، فإن المبدأ العام الشائع المعترف به على نطاق واسع، هو ان الغبن إذا أنشب مخالبه واشتد وطال أمده لابد اخيرا من ان يتمخض عن ردود فعل انتقامية غاضبة، مهما تقادم الزمن. ومن هنا فإن أحسن طريقة لقطع دابرالارهاب وتهدئة المعذبين في الأرض الذين عانوا من الظلم والجور وأقضّ مضاجعهم الحيف والغبن، هو احقاق الحق ورفع راية العدالة وانصاف المغبونين. ـ كاتب سوري