كان ينظر الى عناوين جريدة (لوموند).. ويرتشف القهوة بالحليب في صباح (باريس) في مقهاه الشهير المعتاد في (الشانزليزيه).. مقهى (الفوكيه) ثم.. وكأنه شاعر هبط عليه الوحي والالهام بعد طول جفاف راح يقول: لو أننا حمينا العالم قليلا.. وراعيناه قليلا.. لما وجدنا أنفسنا فيما نحن فيه. كانت هذه هي المرة الوحيدة التي رأيت فيها (جان بول سارتر) وجلست معه واستمعت اليه.. وجدت نفسي بتدبير من صديق جزائري وسط مجموعة من طلبة الدراسات العليا في جامعة (السوربون) على موعد معه.. وكان على ما يبدو في حالة رومانسية عالية جعلته يتصور العالم طفلا صغيرا يحتاج الى أن نغسله بماء الورد.. ونعطيه اللعبة المحروم منها.. ونأخذه في رحلة يتعرف فيها على نفسه.. ونجيبه فيها الى أمانيه البسيطة.. نأخذه الى عالم (والت ديزني).. ونركب معه قطارا يمرق بين ملايين الفراشات الى (قوس قزح).. نطعمه قطعة من (بيتزا) روما ونتركه يلقي بما تبقى منها الى طيور ساحة (ترافلجر سكوير) في (لندن).. ونخيره بين قطعة شيكولاتة في (جنيف) أو قطعة (سكر نبات) في (الأقصر).. ونتركه حالما مع موسيقى (بيتهوفن) في أوبرا (فيينا).. لينام في أحضان الطبيعة في (نيروبي) بعد أن يكون قد سقط من الرقص حتى الصباح مع فتاة ساحرة في (نيودلهي). وأمام هذه اللوحة المرسومة بألوان (فان جوخ) الزاهية قالت (سيمون دي بوفوار) وهي تربت على كتف صديقها المفكر والفيلسوف الفرنسي الشهير: إن العالم في هذه الحالة سيصبح سلطان زمانه.. وسيدخل امبراطورية الشمس وهو على ظهر حصانه.. وسيحرك الأرض بأطراف بنانه.. ويخرج الورد من قوس كمانه.. لكن.. من سيعطيه الفرصة ليعيش يوما واحدا على هذا النحو وفي الجانب الآخر من المحيط قوة أمريكية متغطرسة قاسية تريد العالم حيا والأفضل ميتا.. لقد جعلت قلوبنا فحما.. وحجرا®. كانت (سيمون دي بوفوار) تشرب فنجانا صغيرا من القهوة السوداء، ودون أن تشعر قلبت الفنجان وكأن هناك من سيقرؤه لها.. وعرفت أنها تعلمت هذه (الحركة) وأدمنتها عندما زارت مصر في نهاية الستينيات وأصرت غجرية تحت سفح الهرم أن تقرأ لها طالعها.. وعندما وجدت ابتسامة على وجهي وأنا أرى القهوة تسيل على جدار الفنجان راسمة لوحة سريالية من لون واحد قالت: (إن كل خط من خطوط فنجاني وخطوط كفي وخطوط واقعي يؤكد أن طريق العالم الى الهاوية والنهاية يبدأ من هناك.. من (نيويورك) حيث سطوة الاقتصاد.. ومن (واشنطن) حيث قسوة السياسة.. لقد صارت مساحة الطعنات الأمريكية أكبر من مساحة أجسادنا جميعا.. وصارت دموعنا بسببها أكبر من عيوننا.. صار ماء البحر أكبر من البحر نفسه. ولم تجد الكاتبة الفرنسية التي حرضت نساء الدنيا على الثورة سوى أن تدعو الله أن يخسف بتلك القوة الأرض.. وكأنها امرأة ريفية مصرية عاجزة تمسح بدعواتها أعتاب أولياء الله الصالحين.. وضحكنا جميعا.. وانصرفنا الى حال سبيلنا.. ومرت سنوات وسنوات.. وتغيرت أحوال وأحوال.. لكن بقيت امريكا هي امريكا. وبقيت صورة (سيمون دي بوفوار) وهي تطالب السماء بالتدخل والتصرف بعد أن عجز البشر، صورة ناطقة بالظلال والألوان ورائحة البن المحروق في ذاكرتي. لقد سقط العالم كالفراشة تحت أنقاض القوة الأمريكية.. فلا شيء يشفع لها.. لا أطفال العراق الذين يموتون قبل أن يولدوا.. ولا أطفال فلسطين الذين يقرؤون سفر الذبح كل صباح قبل أن يذهبوا الى مدارسهم.. ولا أطفال البوسنة الذين لم يكملوا رضاعتهم.. ولا أطفال أفغانستان الذين يهربون من أنياب المجاعة ليجدوا أنفسهم في أحضان قنابل البنتاجون.. الطفولة لا تشفع.. البراءة لا تشفع.. عيون الصغار لا تشفع.. الصلاة بكل الطرق طوال الليل لا تشفع. إن القوة الأمريكية من شدة عنفوانها تعتقد أن الكرة الأرضية صغيرة عليها.. وهو ما جعلها لا تصدق أن قوة أخرى يمكن أن تكبر أو تنمو أو تنافسها في أي وقت من الأوقات.. إن سقوط الاتحاد السوفييتي جعلها الامبراطورية العظمى الوحيدة.. وهي تريد أن تظل كذلك.. الى الأبد.. الى يوم القيامة. وهي لا تخشى أوروبا حتى لو كانت موحدة.. فأوروبا كسرتها الحروب عشرين ألف قطعة.. ولا تزال ذاكرة الخراب والغبار تسيطر عليها.. لا تزال تفزع من إشعال النار في حقل قمح.. أو قطع رأس سنبلة قمح تتكلم مع عنقود عنب.. إن أقصى طموح تسعى اليه أوروبا هو مسابقة عالمية لتذوق (النبيذ).. أو لسباق السيارات المسرعة.. أو لكتابة شعر عن عيون النساء.. وعيون الحرية. وهي لا تخشى أفريقيا.. إنها قارة في غالبية الأحوال نائمة في أحضان الغابات الاستوائية.. أو مستغرقة في أحضان الحروب الأهلية والقبلية والعرقية.. قارة في غالبيتها استقال منها الاستقرار.. وهرب منها الحضور.. وتأجل فيها المستقبل الى أجل غير مسمى.. قارة لا تخرج من بشاعة إلا وتجد نفسها في بشاعة أخرى.. ولا تنجو من قذيفة إلا لتجد نفسها مصابة بقذيفة أخرى. وهي لا تخشى الشرق الأوسط.. إن هذه المنطقة المتوترة المتفجرة منذ أن زرعت حزمة الديناميت المزمنة المعروفة باسم اسرائيل قد استقرت على ما هي عليه.. لا تطفو.. ولا تغرق.. تظل عند المنطقة الوسطى.. نصف حياة ونصف موت.. نصف قلق ونصف سكون.. نصف سلام ونصف حرب.. إن ذلك جعل شرايين هذه المنطقة مفتوحة.. كي تسحب منها مواردها حسب الحاجة.. نقطة.. نقطة.. أو برميلا.. برميلا. لكن.. هناك في الشرق الأوسط ما يوصف وما يوصم بالمنظمات الارهابية.. وقد فشلت هذه المنظمات في تحقيق أهدافها السياسية الداخلية فغيرت استراتيجيتها.. أو هكذا فعل بعضها على الأقل.. وراحت الاستراتيجية الجديدة تواجه اسرائيل في فلسطين وفي جنوب لبنان.. وهو ما نقلها من خانة الارهاب الى خانة المقاومة.. ثم وسع بعضها الآخر دائرة تصوره فكانت الولايات المتحدة نفسها هي العدو.. وهي الهدف.. وفي ظل حالة قومية من الاحباط والعجز وعدم القدرة على إقناع الولايات المتحدة بالكف عن الانحياز الأعمى للدولة الصهيونية بدأت المشاعر تتغير ناحية هذه المنظمات. وكأن علينا ان نختار بين ارهاب هذه المنظمات وانتقام الولايات المتحدة.. كأن علينا ان نختار بين سرطان في الرئة او سرطان في الدم. إن أفغانستان التي تقع في جنوب غربي آسيا دولة مسكينة لا منافذ لها على البحر.. علبة صحراوية جبلية مغلقة لافحة، تحاصرها باكستان شرقا وجنوبا والصين في أقصى الشمال الشرقي وايران غربا وجمهوريات روسيا الاسلامية (تركمانستان وأوزبكستان وطاجكيستان) شمالا.. وتعد أفغانستان أفقر دول العالم على الاطلاق.. وفيها اليوم نحو خمسة ملايين شخص مهددون بالموت جوعا.. أي نحو خمس سكانها.. وهي لا تملك من حطام الدنيا سوى موقعها الاستراتيجي الذي يقف مثل العقلة في زور آسيا.. وهو ما جعلها مطمعا للقوى الأمبريالية الكبرى على مر التاريخ مثل الفرس والاغريق والمغول.. ثم بريطانيا والاتحاد السوفييتي.. والدور الآن على الولايات المتحدة. وقد كانت أفغانستان تسمى في أدبيات السياسة البريطانية بدولة (البكتيريا).. ربما لأنها أصابت كل من غزاها بحمى الموت.. ربما لأنها أصابت كل من حكمها بحمى الفوضى والانقسام والحرب الأهلية.. ربما لأنها أصابت كل من عاش فيها بحمى التخلف والفقر والموت جوعا أو قهرا.. لكن (البكتيريا) في الاستراتيجية السياسية والعسكرية للدول الاستعمارية الكبرى قد تكون من النوع الحميد المفيد.. وهذا صحيح ولو لبعض الوقت.. أو هذا صحيح ولو على الورق. إن أفغانستان تقع في منطقة شديدة الأهمية بالنسبة للسياسة الأمريكية، فهي قريبة جدا من دول تخشاها الولايات المتحدة وتفضل أن تكون قريبة منها تراقب ما تفعله وتشارك في تحجيمه.. الصين بحجمها السكاني ونموها الاقتصادي وتأثيرها الحضاري والتاريخي الذي يمتد الى ما حولها.. باكستان والهند بالخوف من انفلاتهما النووي الواصل بمخاوفه واشعاعه الى منطقة الخليج.. روسيا التي تعيد ترتيب بيتها وتعيد حساباتها لتسترد قوتها المحتملة على الأقل كدولة مؤثرة في هذه البقعة المضطربة من العالم.. وإيران بتجربتها الثورية الخاصة وصمودها أكثر من 20 سنة رغم كل الرغبات المصحوبة بالعنف والتآمر للقضاء عليها.. والجمهوريات الاسلامية بتفاعلاتها الداخلية ومواردها الطبيعية النفطية ومخزونها من الأسلحة النووية. إن من يسيطر على أفغانستان يقطع الطريق على دول لها أولوية في الأهمية للسياسة الأمريكية التي تريد أن تظل قوة وحيدة على رأس الكون لا ينازعها أحد في ذلك.. اليوم أو غدا.. ومن ثم فإن عليها أن تكون هناك بأية صورة من الصور.. سواء تعرضت لعمليات ارهابية أو نجت منها.. سواء بطريقة السيطرة العسكرية المباشرة على الأرض أو بطريقة السيطرة السياسية غير المباشرة بوضع نظام حكم في (كابول) ينفذ لها كل ما تريد. لكن.. ضرب أفغانستان دون مبرر أو دليل على تورطها فيما جرى سيشعل صراعا دينيا لن تنحصر آثاره في مكان ما.. أو في رد فعل ما.. وإنما سيمتد الى كل بقعة من بقاع الأرض يعيش عليها مسلم.. وفي غياب تأثير التيارات القومية والأيديولوجية سيكون للتيارات الدينية الغلبة.. وفي لحظة اختيار بين عدو خارجي - وضعت الولايات المتحدة نفسها في موضعه - وعدو داخلي - بحكم التطرف والارهاب - سيكون اختيار الغالبية العظمى هو الوقوف ضد العدو الخارجي مهما كانت صعوبة التعامل مع العدو الداخلي.. وفي الصراعات ذات الطبيعة الدينية لا تتوقف الأمور عند حدود ساحات القتال وإنما تتسع الى كافة مجالات الحياة فيما يعرف بالتعصب الأعمى.. وتجارب التاريخ تؤكد أن ضحايا التعصب الأعمى غالبا ما تكون أكبر من قتلى الحروب الساخنة. والمثير للدهشة أن الولايات المتحدة ستنفذ عملياتها تحت اسم «الحرية الدائمة».. إن البنتاجون اعتاد أن يختار اسما رومانسيا لعملياته القاسية.. (عاصفة الصحراء) في حرب الخليج.. (الزهرة) في محاولة غزو ليبيا.. (عودة الأمل) في غزو الصومال. ـ كاتب مصري