فرضت احداث 11 سبتمبر في نيويورك وواشنطن نفسها على تفاصيل الحياة اليومية، فلم تقتصر على الأمريكيين فحسب بل على العالم بأسره واصبح العالم يقيس صباحاته ومساءاته بعبارة او مفصل واحد وهو ما قبل 11 سبتمبر وما بعده. واذا كان المؤرخون والسياسيون والكتاب والشعراء يتحدثون في ادبياتهم عن حدود فاصلة وعلامات فارقة في تحديد أزمنة بعينها فانهم هذه المرة لابد ان يعيدوا صياغة كثير من المفاهيم المتعارف عليها ولكن بشكل جديد، لقد ذكرتني عبارة ما قبل وما بعد 11 سبتمبر بالقياسات القديمة التي عادة ما يلجأ اليها البسطاء من الناس في الوطن العربي عندما يريدون تحديد أمر ما، فهم يقيسون الاشياء بالاحداث الجلل، فمثلا يقيس أهل الخليج امورهم بأحداث مهمة ومؤثرة تصبح فصلا، فيربطون تواريخ ميلادهم مثلا بحدث ما، فيقال إن فلاناً ولد سنة «الطبعة» اي عندما غرق المركب الفلاني فيعرف ان عمره من عمر غرق المركب، او يقال ان فلان ولد سنة حريق ديره فتربط السنة ويصبح القياس واضحا، وما حدث في 11 سبتمبر جعلنا نحن العرب والمسلمين قياساً للاخرين ولأنفسنا، فنحن ايضا دخلنا في خانة أما قبل وأما بعد.. أما قبل، فقد كانت الصورة مختلفة عنا، فنحن عرب ومسلمون تحفنا الطيبة والتواصل مع المجتمعات الاخرى، استطعنا الدخول الى ضمائر ونفوس اولئك القوم بما نحمل من تسامح واخلاق وقيم وعادات اصيلة واستطعنا ان نقدم صورة جميلة ناصعة وواضحة عما نحمله بين ايدينا وضمائرنا. لقد كانت الصورة مختلفة بكل المقاييس، والتأثير العربي والاسلامي كبيراً، لكنه تحول بين ليلة وضحاها الى رماد تذروه الرياح.. أما بعد، فقد اختلفت الاشياء كل الاشياء، وأصبح العربي والمسلم في نظر الغرب ارهابيا كريها وشيطانا يجب ان يرجم، وجندت الآلة الاعلامية اليهودية اقلامها وتأثيرها لترسم هذه الصورة المختلفة بل وتحفرها في أذهان الجميع صغارا وكبارا شيوخا واطفالا.. وعلينا ان نقف هنا لحظة لنثير الاسئلة البلهاء: من المستفيد من تفجيرات نيويورك وواشنطن؟ تأتي الاجابة بلهاء ايضا لان اصابع الاتهام قد تشير الى كثيرين، خذ مثلا: بائعو الورود الذين باعوا اكثر من 30 مليون وردة في نيويورك فقط دون واشنطن او الولايات المختلفة. بامكاننا ان نوجه اصابع الاتهام ايضا الى الشركات الخاصة بدفن الموتى التي شمرت عن ساعديها فمصائب قوم عند قوم فوائد. وفي نفس الاطار بامكاننا ان نتهم شركات المقاولات الكبرى والتي ستستفيد استفادة عظمى من تلك الاحداث حيث ستعمل على طرح أفكار جديدة في بناء ناطحات سحاب لا تخترقها الطائرات مهما كان شكلها او نوعها. كما انه يمكننا توجيه اصابع الاتهام الى شركات تصنيع الطائرات التي ستقوم بتصنيع طائرات جديدة ومختلفة لا يستطيع أيا كان اختطافها او حتى الاقتراب من قمرة القيادة، وبذلك ترتفع التكلفة وتستفيد هي من تلك الاضافات المثيرة والعملية. واذا اردنا أيضا ان نزيد في تفاؤلنا لنبعد الشبهة عنا بامكننا ان نمد اصابعنا فنشير الى شركات التأمين العالمية مؤكدين على انها استفادت استفادة كبرى اذ رفعت المبالغ التي تتقاضاها الى الضعف، واذا استبعد احدكم هذا الاحتمال استطيع ان استنتج احتمالا اخر يؤكد نظرية المؤامرة الذي نطرقه كلما ضاقت بنا السبل فأشير الى ان المستفيد في هذه الجريمة التي نستنكرها جميعا هو وسائل الاعلام من شرقها وغربها، شمالها وجنوبها بدءا من نيويورك وانتهاء بكابول، فقد تابعت وسائل الاعلام باشكالها المختلفة ومازالت هذا الحدث المثير والأليم ومازالت تفرد له مساحات وساعات فضائية وورقية مما يعني ان الحادث نشط دماء وسائل الاعلام وشخوصها، التقليدي منها والحديث.. قد يحتج الزملاء الاعلاميون من هذا الاتهام فأوجه معهم الأتهام الى المنجمين الذين تزايدت مبيعات كتبهم خلال احداث 11 سبتمبر حتى ان اصحاب دور النشر اعادوا طباعة ونشر كثير من تلك الكتب التي توقعت حدوث أمر جلل في 11 سبتمبر. ومثلما هو الحال بأصحاب المكتبات والمنجمين بامكاننا ان نشير الى اولئك المبحرين في شبكات الانترنت الذين وجدوا لمواقعهم آذانا صاغية، واخيرا وليس اخرا بامكاننا ان نوجه الاتهام الى شخص يائس من اضطهاد زوجته او من اضطهاد النساء له فكون جمعية أو جماعة ارهابية مثلما فعل ذاك اليائس السويسري يوم امس الاول عندما اطلق الرصاص في قاعة احد البرلمانات المحلية في اقليم زوج وسط سويسرا في هجوم أودى بحياة 14 شخصا. عموما المستفيد من وراء احداث 11 سبتمبر اطراف كثيرة والخاسرون هم العرب والمسلمون وحدهم.. أما قبل وأما بعد كيف يصبح الخاسر رابحاً!