بعد انقشاع الدخان المنبعث من ركام مبنى مركز التجارة العالمي في نيويورك، وانقضاء مرحلة الحداد وبروتوكولات المواساة والعزاء، يقفز امام ابصارنا سؤال: هل حقا نعتبر العملية التي استهدفت كلا من نيويورك وواشنطن بضرب مركز التجارة ومبنى البنتاجون فعلا ارهابيا بالمعنى المطلق للشر؟ وعلى الفور ودون تردد اقول: نعم ... لكنها ليست «نعم» مطلقة، ثم اواصل الاستدراك فأقول: ما جرى يجوز ان يصنف كعمل ارهابي شرير جدير بكل ما يستحق من ادانة وعقاب لو أننا نعيش في «مدينة فاضلة» عوضا عن عالم لا يختلف جوهريا عن مجتمع الغابة حيث يأكل القوي الضعفاء. الارهاب بمعناه العريض المطلق والمجرد من اي ذاتيات سياسية هو في كلمة واحدة خروج على القوانين السارية، لكن سريان مفعول هذا التعريف مشروط بفرضية ان هذه القوانين عادلة اصلا وانها تطبق دون استثناءات انتقائية، فهل هي كذلك واقعا وفعلا في عالم اليوم، سواء على مستوى بلد واحد او على مستوى دولي؟ لن نذهب بعيدا، ولننظر في الشرعية الدولية النظامية المتجسدة في هيئة الامم المتحدة وميثاقها، امامنا مجموعتان من القرارات الدولية الواجبة التنفيذ: مجموعة لفرض نظام عقوبات على العراق ليدفع ثمن غزوه بلدا آخر .. ومجموعة قرارات اخرى تنص على تصفية الاحتلال الاسرائيلي لأراضٍ عربية ورد الاعتبار الى ملايين من البشر للعودة الى ديارهم بعد ان ابعدوا عنها غصبا وقسرا. في الحالة العراقية تطبق الشرعية الدولية بهمة وحرفية مدعوة بحقد، وفي الحالة الثانية تستثنى اسرائيل نفسها من التطبيق بروح من التحدي الراسخ، فلا تردع ولا يفرض عليها عقاب. وعندما وقع الاحتلال العراقي للارض الكويتية جرى على الفور اقامة «تحالف دولي» لاخراج العراق وتأديبه عبر حملة حربية ضارية .. فلم يعمر ذلك الاحتلال سوى بضعة شهور. في الوقت نفسه يتجاوز الاحتلال الاسرائيلي على ارض فلسطينية وارض سورية عامه الرابع والثلاثين دون ان يقام «تحالف دولي» لتأديب اسرائيل. أين الشرعية الدولية اذن .. أين العدالة .. أين القانون الدولي .. أين ميثاق الامم المتحدة؟! كل هذه تبقى نصوصا ميتة على الورق ازاء ضحايا من نوع معين .. ثم فجأة تبعث الحياة في هذه النصوص ومبادئها وتنقلب الدنيا عندما يتعلق الامر بضحايا من نوع آخر. اذا كان خرق القانون الدولي وما يتبعه من مواثيق يعتبر فعلا ارهابيا جديرا بالادانة والعقاب، فلماذا يطبق هذا المبدأ على قوم ولا يطبق على قوم آخرين؟