من هو العدو؟ الاجابة الحاسمة على هذا السؤال، الذي يبدو بسيطا، صعبة ومعقدة، إذا كان الأمر يتعلق بمواجهة الارهاب. الاجابة بدقة عن سؤال: من هو العدو؟ تمثل الضمانة الأساسية لعدم الانزلاق الى رد فعل منفرد، أو حتى عبر تحالف دولي، يقود العالم بأسره لدائرة انتقام جهنمية، يصعب التنبؤ بمحصلتها النهائية، وإن كانت بالتأكيد سوف تكون أخطر مما يمكن أن يتصوره خيال أي محلل أو صاحب قرار. ثم إن الاجابة عن هذا السؤال - بحد ذاتها - تمثل الأساس الذي يمكن أن يتم عليه بناء التحالف: المشاركون، طبيعة المشاركة، توزيع المسئوليات، مدى تناسب العائد مع جهد كل طرف وخسائره المتوقعة، تأثير أهداف التحالف على (الداخل) بالنسبة للأطراف المختلفة. ولعل المحاولات الرامية الى عقد مقارنة بين ما تم أثناء أزمة الاجتياح العراقي للكويت غير موفقة تماما، على الأقل من زاوية أن العدو كان محددا تماما، وأركان الجريمة واضحة، ومسئولية الجاني ثابتة، إلا أن الأمر يكاد يكون على النقيض فيما يتعلق بمواجهة الارهاب سواء بسبب تشعباته التنظيمية، أو امتداد جذوره، وشبكاته، والتقاطعات الحادثة بشأن علاقة بعض تنظيمات الارهاب بدول صغرى وكبرى على السواء، كما أن الجانب القانوني لا يمكن فصله بأي حال عن الجوانب السياسية ـ الاجتماعية للظاهرة في بعدها الدولي. الصياغة الكيسنجرية من ثم فإن المسعى الأمريكي لبناء تحالف وفقا لصياغة كيسنجرية (معنا أم مع الارهاب؟) (انضم للتحالف أو يكون مصيرك العزل) مثل هذه الصياغات لا يمكن أن تنضج تحالفا لمواجهة موقف على هذا النحو من الخطورة على مستقبل المجتمع الدولي بأسره، وحتى بعدما حدث للولايات المتحدة، باستهداف اغتيالها معنويا، عبر تدمير رموزها، يعني أن مفهوم احكام السيطرة على العالم - مهما كانت قدرات القوة التي تحاول التصدي لذلك - قد انهار، من هنا فإن الاسلوب الذي يحتم التوجه بطلب العون من خلال تحالف دولي لابد أن يختلف نوعيا بعد 11 سبتمبر 2001، وإن كان الطالب بوش الابن، الذي تصور أنه يستطيع أن يعيد عجلة التاريخ ويكرر تجربة أبيه في بناء تحالف دولي مماثل لما تم في العقد الماضي، وفضلا عن الصعوبات المتعلقة بطبيعة الاجابة على سؤال: من هو العدو؟ فإن ثمة اختلاف - يصل الى حد الانقسام - حول الطرح الأمريكي داخل صفوف الحلفاء التقليديين لواشنطن، خاصة بعد أن تبلورت نوايا بوش بوضوح، وعقده العزم على توجيه ضربة الى نظام طالبان في أفغانستان. وقراءة سريعة لأبرز المواقف على الجانب الآخر من المحيط الأطلسي تؤكد صعوبة المسعى الأمريكي، فاجمالا أوروبا ترى أن (الحرب على الارهاب لا يمكن أن تكون مجرد معركة بالمفهوم الأمني) العسكري، بل يجب أن تقترن بحلول عادلة للقضايا التي يتذرع بها الارهابيون. أما عن المواقف الخاصة لكل دولة، فإذا بدأنا ببريطانيا - الحليف الأقرب لعقل وقلب واشنطن - فإنها ترفض بقوة منح الولايات المتحدة (شيكا على بياض) لشن أي عمليات عسكرية انتقامية، بل لابد أولا - كما طالب رئيس الوزراء توني بلير - من التعرف على المسئولين على أساس أدلة قاطعة، وفي السياق ذاته جاءت مطالبة وزير خارجيته جاك سترو بان يكون أي قرار بشن عمليات عسكرية في اطار جماعي من خلال حلف الأطلسي. وتقف فرنسا موقفا أكثر حذرا، إذ ترى أن الرد لا يجب أن يتوقف على العمل العسكري، وأن يكون فقط أحد الخيارات، وليس الخيار الوحيد، وأن مكافحة الارهاب يجب أن تكون من جذوره، بعمل جماعي، عبر تنسيق كل الخطوات، وعدم الاكتفاء بتنفيذ (خطة طرف واحد). في السياق ذاته يأتي الموقف الألماني الذي يحذر من تحول ضحايا الهجوم على واشنطن ونيويورك الى ذريعة لقتل المزيد من المواطنين الأبرياء في مناطق أخرى من العالم، وطالبت برلين أن يكون الرد العسكري محددا ومركزا وله هدف. رؤية مخالفة ومواقف الدول الأوروبية الرئيسية - التي تمثل منطقيا الدعامات الأساسية لأي تحالف تسعى واشنطن لبنائه - أفضل كثيرا اذا ما قورنت بموقف روسيا المتردد بشأن الدخول في التحالف الجديد، ولا يختلف هذا الموقف كثيرا عن الموقف الصيني، حيث يستبعد بعض المحللين أن تتم أي خطوات عملية للتعاون بين بكين وواشنطن لتباين المفاهيم حول مكافحة الارهاب وتحديد التهديدات. أما على خط التماس، فإن جيران أفغانستان يتخوفون من تبعات اي حرب جديدة تنشب على حدودهم، سواء من النواحي الامنية والسياسية او تحسبا لموجات اللاجئين المحتملين من افغانستان الى دول الجوار القريبة. ولذلك فإن تخيير واشنطن لاسلام أباد بين معسكري الصداقة أو العداء، لم يدفع بعيدا عن موقفها المبدئي بأن يكون التدخل العسكري في اطار دولي، رغم سماحها للطائرات والصواريخ الأمريكية بعبور مجالها الجوي، وتحاول الحكومة الهندية التوصل الى اجماع داخلي قبل السماح لواشنطن بالارتكاز على أراضيها في شن هجوم على طالبان. وعلى صعيد الدول العربية والاسلامية فإن ثمة اعتبارات دينية وسياسية داخلية واقليمية على قدر كبير من التعقيد تجعل حزم الأمر بشأن الانضمام للتحالف شديد الحساسية والصعوبة إذا ما عقدت مقارنة بين ما حدث في الخليج قبل نحو عقد من الزمان والواقع الراهن، خاصة أن أطرافا دولية اشتمت روائح الخطر فحذرت واشنطن من الدخول في مواجهة مع العالم الاسلامي، لاسيما وأن التحقيقات الأمريكية تربط بين (بن لادن) وتنظيمات اسلامية تمثل حركات تحرر وطني، وليست منظمات ارهابية كحزب الله مثلا، بل ان أصواتا في الاعلام الأمريكي بشكل خاص، والغربي عموما تلمح الى امكانية أن تصبح العراق، ايران، السودان، سوريا أهدافا للحملة الأمريكية حال تصاعدها! قد تعمد الادارة الأمريكية الى استصدار قرار من مجلس الأمن لترتيب الآلية والشرعية القانونية الدولية لتحركاتها المستقبلية سواء تحت مظلة حلف الأطلنطي، أو التحالف الذي تسعى لبنائه أيا كانت درجة قوته واتساعه، لكن حتى بافتراض امكانية تحقيق ذلك فإن النتائج تظل شديدة التواضع. إن مواجهة كل صور الارهاب عند الجذور - بعيدا عن الانتقائية - وفي اطار استراتيجية شاملة هي المدخل الصحيح لاجتثاثه، ـ كاتب سياسي مصري