ما هي أسباب الأخطاء التي ارتكبتها الأجهزة الأمنية الأمريكية حتى يحدث ما حدث، اختطاف أربع طائرات واستخدام اثنتين منها لتدمير برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك والثالثة لتدمير وزارة الدفاع في واشنطون في الحادي عشر من سبتمبر؟ لقد كان الحدث موجها إلى «رمز الرأسمالية العالمية» ذاته، وأيضا إلى التمدد المالي تحت غطاء ما يسمونه بـ «العولمة»، إضافة إلى قلب الدفاع الأمريكي المتمثل في البنتاجون، المبنى الذي كان يعتبر من أكثر الأماكن الحساسة «أمنا»، والذي إذا فقد أمنه فقدت الولايات المتحدة سلاحها الرئيسي الذي تتباهى به أمام العالم. هل هناك علاقة بين من قاموا بهذا العمل وبعض الحكومات التي تقيم معها للولايات المتحدة علاقات صداقة...؟ ثم السؤال الأهم: ما هو تفسير وجود ضابط إسرائيلي على إحدى تلك الطائرات المنكوبة؟. هذه الأسئلة وغيرها عديد من الأسئلة التي تدور حول أسباب وهوية من قاموا باختطاف الطائرات المدنية واستخدامها في تفجير أهداف حساسة ولها معناها الرمزي في قلب الولايات المتحدة لم يطرحها أحد من المحللين السياسيين في أي مكان من وسائل الإعلام الكثيرة التي تابعت ولا تزال تتابع باهتمام لم يسبق له مثيل حدث «الثلاثاء الدامي» في الولايات المتحدة، وإنما طرحها الكاتب الأمريكي نورمان برنباوم NORMAN BIRNBAUM الأستاذ بجامعة جورج تاون في مقال بعنوان «أثينا وروما»، مرة أخرى؟، الذي نشرته صحيفة «الباييس» الواسعة الانتشار في أسبانيا وأمريكا اللاتينية في عددها الصادر بتاريخ الجمعة 21 سبتمبر الجاري، وهي أسئلة لا أقول انها لم يخطر على بال أحد طرحها ومطالبة المسئولين الأمريكيين من سياسيين وعسكريين الإجابة عليها، بل هناك يقين بأنه تم التعتيم عليها عمدا في محاولة لإبعاد الأنظار عن بعض المعلومات التي توصلت إليها التحقيقات التي أجرتها السلطات الأمريكية حتى الآن، لأنها تدخل في دائرة «المحظور»، وبشكل خاص تلك المعلومة التي يمكن أن تنتج عن الإجابة على ذلك السؤال الأخير الذي تؤكد أن «ضابطا إسرائيليا» لم يتم الكشف عن هويته، ولا حتى الإشارة إليه أو الكشف عن سبب وجوده على إحدى تلك الطائرات التي تم استخدامها كقنابل مدمرة ضد أهداف في قلب القوة العظمى الأولى في العالم! لو توقفنا قليلا وتأملنا في روية وحاولنا الإجابة بالفعل على العديد من تلك الأسئلة لأمكننا أن نتبين أن الاتهامات الموجهة لما تسميه وسائل الإعلام الغربية بـ «الإرهاب الإسلامي» مشكوك فيها من أساسها، ولا ترتكز أي من تلك الاتهامات على معلومات وأدلة صحيحة، وان هناك حقائق «غائبة» أو «مغيبة» بفعل فاعل، وأن هناك إصرارا على توجيه الاتهامات وجهة أخرى بعيدا عن الوجهة الحقيقية التي يمكن أن تكون وراء هذا الحادث الرهيب، إما بسبب العجز عن معرفة الفاعل الحقيقي، ويجب تقديم «ضحية» على مذبح رضاء الشعب الأمريكي، أو للتغطية عن فاعل غير مطلوب التعرف عليه واتهامه. وربما يكون السبب الأخير هو الأقرب إلى الصحة، لأنه-كما يشير الأستاذ الأمريكي ـ توجد شكوك حول الصمت الذي التزمه «اللوبي اليهودي» المؤثر بشكل كبير في السياسة الخارجية الأمريكية، خاصة ما يتعلق منها بالشرق الأوسط، وانه عندما كانت تصدر من هذا اللوبي أي إشارة إلى تلك الأحداث تبدو تلك الإشارة تماما مثل «ستارة دخان» للتغطية على الأحداث، وكل ما تم ويتم إثارته من جانب اللوبي الصهيوني كان له هدف واحد: إبعاد الأنظار عن ما يجري على الأرض في فلسطين المحتلة نتيجة «إرهاب الدولة» الذي تمارسه حكومة شارون، والتي يرى المعتدلون من اليهود أنفسهم أنها سياسة «رعناء» تهدد وجود إسرائيل ذاتها، لأن تلك السياسة تضع الشعب الإسرائيلي تحت رحمة «المتطرفين» الإسرائيليين من أتباع «كاهانا» وغيره، وتدفع بالتالي إلى زيادة حدة «التطرف العربي والإسلامي» لمواجهة هذه السياسة الدموية التي لم يتحرك العالم كله لإيقافها، ولكن عندما وقعت الواقعة في نيويورك وواشنطون قامت الدنيا ولم تقعد موزعة الاتهامات ضد العرب والمسلمين دون تقديم دليل واحد سوى وجود عدد من الأسماء العربية والمسلمة بين ركاب الطائرات المنكوبة. بل أن رد فعل المسئولين الإسرائيليين منذ اللحظات الأولى دليل على أن هناك علاقة ما تربطهم بما حدث، فقد كانت معظم التصريحات تؤكد على انهم لم يفاجأوا بما وقع، وانهم كانوا يتوقعونه، متعللين بأن مخابراتهم «الموساد» كانت لديها معلومات عن أن شيئا ما كان يجري في الخفاء ويمكنه أن يؤدي إلى شئ شبيه بما وقع في واشنطون ونيويورك؟!، بل للتغطية على ما يعرفون ويرفضون الكشف عن حقيقته يوجهون «لطمة» أخرى إلى وجه «المخابرات المركزية الأمريكية» التي أثبتت الأحداث أنها تهتم بالتخطيط لإفساد الحياة السياسية في الدول الصغيرة ولا تعير اهتماما للأمن الوطني القومي الأمريكي. والحقيقة أن من يوجه اللوم للمخابرات الأمريكية على فشلها في توقع مثل هذا الحدث لن تعوزه الأسباب، فقد أثبتت الوقائع التاريخية أن تلك المخابرات، على ما حققت من «نجاح» في التخطيط وتنفيذ الانقلابات العسكرية منذ الحرب العالمية الأولى وحتى الآن، فشلت في العديد من القضايا الحساسة التي ضربت قلب الولايات المتحدة في الصميم، فقد فشلت تلك المخابرات وجميع الأجهزة الأمنية الأمريكية في قضايا «أمريكية» مثل: مقتل الرئيس الأمريكي «جون كنيدي»، واغتيال الزعيم الأسود «مارتن لوثر كنج». بل فشلت الأجهزة الأمنية الأمريكية، التي تعمل على المستوى الخارجي أو الداخلي فيها في قضايا شبيهة بما حدث في يوم «الثلاثاء الدامي»، حيث لا يغيب عن الذهن أن الأجهزة فشلت في الكشف عن «مغزى» حادث ضرب بناية «اوكلاهوما» الذي كان تفجيره أيضا سببا في توجيه الاتهامات لمنظمات فلسطينية وإسلامية، سرعان ما تبين أنه لا علاقة لتلك المنظمات بذلك الحدث، ولم يكن ذلك بسبب نجاح تلك الأجهزة في الكشف عن الفاعل الحقيقي، بل كان ذلك بسبب اعتراف «الجاني» نفسه، الجندي الأمريكي السابق في حرب الخليج الثانية، الذي أعلن أنه قام بتفجير المبنى لمجرد أنه كان يشعر بالتقزز من بلاده وشعبه وأراد أن يعبر عن رأيه بالطريقة التي يعرف أنها الطريقة الوحيدة التي يفهمها الشعب الأمريكي، وهي العنف. لكن تأتي معلومة وجود ضابط إسرائيلي على إحدى تلك الطائرات، التي يطرحها الأستاذ الأمريكي في مقاله، لتلقي بمزيد من الشكوك حول دور الموساد في كل هذه الأحداث، ليس بسبب تأكيده بعد وقوع كارثة «يوم الثلاثاء الدامي» انه كان يملك معلومات عن وجود مخططات لضربات توجه إلى أهداف داخل الولايات المتحدة، وأنه حاول تنبيه الأجهزة الأمنية الأمريكية لتتخذ إجراءات احتياطية تحول دون وقوع ما كان مخططا له، ولكن بسبب ما يؤكده «نورمان برنباوم» في مقاله من أنه بالتحليل الهادئ يمكن التوصل إلى وجود مصلحة لإسرائيل في حدوث مثل هذا الحدث في قلب الولايات المتحدة. وأيا كانت صحة هذا التحليل من عدمه إلا أن صدوره عن «كاتب أمريكي» له موقعه في إحدى جامعاتها العريقة يثير الكثير من التساؤل، ويدفع المتعاملين مع هذا الموضوع البحث في هذا الاتجاه ولو بدافع الفضول، خاصة أن السلطات الأمريكية لم تقدم حتى هذه اللحظة أي دليل مادي على ضلوع الاصوليون الاسلاميين أو غيره من «الأصوليين الإسلاميين»، أو أي شخص له علاقة بالعالم العربي والإسلامي على الرغم من الاعتقالات التي أجرتها والتحقيقات التي فتحت لها ملفات بعشرات الآلاف، وكل ما أعلنته ولا تزال تعيده وتكرره قوائم بأسماء عربية انتزعتها من قوائم المسافرين على الطائرات المختطفة، وهو أمر غريب، لأن على تلك الطائرات كان هناك مسافرون من جنسيات أخرى يمكن توجيه الاتهام إليهم بالطريقة نفسها، ويصبح «كل مسافر متهم حتى تثبت براءته». بل يؤكد الكاتب الأمريكي على أن اعتقاده بوجود يد لإسرائيل في كل تلك العملية الرهيبة نابع من رفض جميع المسئولين الأمريكيين وعلى رأسهم الرئيس جورج بوش الابن فتح نقاش عام مع مختصين لبيان حقيقة ما حدث، وتوجيه التحقيقات وجهتها الصحيحة، ويتهم الكاتب الرئيس الأمريكي بأنه يغمض عينيه عن ما يحدث في فلسطين المحتلة تجنبا لعقد أي مقارنة، وحتى لا يتم فتح حوار حول علاقة إسرائيل وما تقوم به من إرهاب بالسلاح الأمريكي ضد الشعب الفلسطيني وما وقع في واشنطون ونيويورك. يضاف إلى هذا تغييب «الأمم المتحدة» عن كل هذه الأحداث بشكل متعمد، وهو أمر يدل في رأي الكاتب الأمريكي على أن شيئا ما يوجد في طيات تلك الأحداث ولا تريد الولايات المتحدة أن يتم الكشف عنه، لذلك تريد أن تقود العالم إلى عمل عسكري ضد «هدف مجهول»، وتريد أن تشن حربا تشارك فيها كل جيوش العالم ضد «شخص لم تثبت إدانته بعد» لمجرد التغطية على عجزها ومحاولة استعادة هيبتها التي أهينت !. ـ كاتب مصري مقيم في أسبانيا