في زمن الحرب يتغير كل شيء حتى الإعلام، فإنه يصبح أكثر فاعلية وجذباً، وقد يكون أغلى وأقوى سلاح مثلما هو اليوم في عصر القرية الكونية الذي نعيشه. الإعلام هو الذي يحرك الدول والسياسات، هو الذي يصنع الرأي والرأي الآخر، يؤلف ويقارب ويمكنه ان يفرق ويخلق الخصومات، يتهم، يبرئ، يحذر، يشوه، يصحح، تكون الاشاعة جزءاً منه يمكنه ان ينفخ فيها وينشرها حتى تصبح حقيقة، ويستطيع ايضا ان يخفي الحقيقة إلى حين. في الأيام العادية قد تجد فرداً أو جماعة لا يعنيهم الاعلام، لا يشاهدون التلفزيون ولا يعرفون الاذاعة ولا يقتربون من أوراق الصحف، هكذا تعودوا طوال أيامهم الماضية أو انهم يعرفون الاعلام في المناسبات فقط أو انهم يطالعونه متى وجد أي انهم لا يسعون إليه. أما اليوم فإنه لا يوجد من لا يبحث عن الاعلام وما فيه، ان الانسان يستيقظ وينام على الإعلام، إذا كان أمياً بحث عمن يقرأ له، واشترى مذياعاً وفتح أذنيه جيداً لمختلف الموجات، وأصبح الذي تعود ألا يقرأ الصحف، يشتري هذا اليوم أكثر من جريدة ومجلة، يقرأ ولا يمل ويبحث عن الجديد كل لحظة، وأخذت الصورة التلفزيونية مساحة أكبر في رؤية ومخيلة الجمهور، وملكت الفضائيات تغيير أفكار وأذواق الناس، فتحولت مثلاً عادات بعض الأسر من اللقاء الأسبوعي والجلوس بعيداً عن التلفزيون أو قربه لمتابعة سهرة فنية أو برنامج ما، إلى اجتماع يومي يشاهدون فيه برنامجاً وحيداً يبحثون عنه في كل المحطات وهو مستجدات أخبار الحرب، وولدت فيهم هذه الفضائيات شغف التخيل والتحليل، يرسمون سير الأحداث وشكل الحرب. في البيت وفي السيارة، مع الزوجة وفي العمل، في السوق وخارج أبواب المسجد، على الهاتف طوال اليوم، الجميع لا حديث لهم سوى عن جديد الاعلام وجديد الحرب. انه مصير العالم جميعاً وعن الحرب فإن الحديث يهم كل الانسانية، وفي مثل هذه الأحوال فإن الإعلام بوسائله المختلفة، بدرجاته المختلفة القوي والذي يعاني الضعف وقلة الجمهور، الثري والمدعوم منه وقليل الموارد والامكانات أمامهم جميعاً ما يسمونه (فرصة العمر) في ان يحسن هذا الجهاز وضعه أو ان يثبت مكانته ويزيد نجاحه، ومثلما الحرب تخلق في ميادينها ابطالاً وأساطير فإنها في زمن العولمة تخلق أيضاً نجوماً خارج ميدانها الحربي المتعارف عليه، يمكنها ان تخلق أسطورة بطلها احدى وسائل الاعلام، هكذا مثلاً كانت (خ.خ.) في حرب الخليج الثانية، وقد لا تكون هذه الوسيلة غربية وأمريكية تحديداً في كل الأوقات والأحوال، قد تفرض الظروف ان تكون عربية خاصة إذا كانت الحرب قريبة من هذا المحيط. وماذا عن الحرية؟ الحديث عن حرية الإعلام كأنه حديث عن الماضي، فثورة العولمة فرضت وصفة الحرية للجميع، يمكنك ان تفرض قيودك على وسائل الاعلام التي تملك السيطرة عليها، لكنك لا تملك ان تفرض هذه القيود على الناس الذين عندك، العولمة التي رضيت بها ستدخل لهم هذه الحرية من أبوابها ونوافذ مختلفة ومن سماء مفتوحة. في بلد مثل أفغانستان التي هي اليوم العدو والند الأول في حرب الارهاب، يقول تقرير بثته اذاعة (..) انها تعيش عزلة اعلامية وانه ربما لم يعرف كثير من الأفغان الذين يعيشون داخل بلادهم حجم الدمار الذي خلفته الهجمات التي استهدفت نيويورك وواشنطن يوم الثلاثاء الحادي عشر من الشهر الجاري. التقرير يقول ان وسائل الإعلام المتوافرة داخل بلاد الأفغان لاتقدم صورة لما يجري في الخارج، التلفزيون ممنوع تماماً في 90% من الأراضي الأفغانية التي تخضع لحكم حركة طالبان، أما وسائل الإعلام الأخرى فتنحصر في أربع أو خمس صحف اضافة إلى اذاعة الشريعة، وكلها تخضع بصورة مطلقة للحركة، كما توجد محطة تلفزيونية صغيرة وأخرى اذاعية محدودة، تبث من المناطق التي تسيطر عليها قوات التحالف الشمالي المناوئ لطالبان. يضيف التقرير ان الاذاعات الاجنبية تعد مصدراً رئيسياً للأخبار والمعلومات لغالبية الشعب الافغاني، وتظل (..) باللغتين الباشتو والفارسي وكذلك اذاعة صوت أمريكا، مصدراً لمعرفة الأخبار المحلية والأجنبية في البلد الذي تمزقه الحرب منذ عشرين عاماً. لكن الإعلام الذي يأتيك من الخارج لا يكون نزيهاً يحمل الحقيقة دائماً، ان له أغراضه خاصة في حالات الكوارث، ان حالة الحرب قد تصيب (قدسية) حرية الإعلام حتى في بلد الحرية والديمقراطية، يقول خبر بثته وكالة الأنباء الفرنسية نقلاً عن جريدة «واشنطن بوست» ان اذاعة «صوت أمريكا» قررت الغاء بث مقابلة مع قائد طالبان الملا عمر اثر شكاوى تقدمت بها وزارة الخارجية الأمريكية، وكان من المقرر بث هذه المقابلة في اطار برنامج حول ردود الفعل على خطاب الرئيس الأمريكي أمام الكونجرس الذي أعلن فيه التزام واشنطن مكافحة الحركات الارهابية. في الخبر ان موظفاً في الاذاعة طلب عدم كشف هويته ذكر انه مصدوم للضغوطات التي مارستها الخارجية معتبراً انه تم (لجم) الاذاعة، وعلق المتحدث باسم الخارجية الأمريكية عند سؤاله عن امكانية ان تبث الاذاعة حديثاً لابن لادن، ان ذلك يتوقف على مدى القيمة الخبرية للحديث، إذا كان يريد اخبارهم حول المكان الذي يتوقع ان يسلم نفسه فيه فسيكون أمراً طيباً. وهكذا تبقى هناك حدود وضوابط للحرية حتى ولو في أمريكا تفرضها الظروف، وهذا الإعلام هو ضمن لعبة الحرب، وفي الحرب لا توجد ثوابت كل شيء مباح، وكل شيء مقيد أيضاً. وفي هذه الفترة لابد ان يطرح إعلامنا العربي سؤالا هاماً وعليه ان يبحث عن اجابة له وهو أين موقعه كإعلام في هذه الحرب، كيف يتعامل معها..وماذا سيكسب منها؟