حدث في مثل هذا اليوم. وهذا اليوم هو الثامن والعشرون من سبتمبر، والمناسبة مزدوجة: ذكرى رحيل جمال عبدالناصر والذكرى الاولى لحلول الانتفاضة الفلسطينية. وربما يكون لهذا التصادف مغزى عاطفي ولكن للتصادف بعدا اعمق واكثر واقعية يمتد الى مساحة الحاضر. فذكرى غياب اعظم زعيم عربي في التاريخ المعاصر والاحتفال بمرور عام على اندلاع اول مقاومة شعبية فلسطينية مسلحة ضد الاحتلال الاستيطاني الاسرائيلي، يقترنان بحلول اعظم خطر يواجه الامة العربية والاسلامية منذ قرون، فهل من رابطة تقرن الحقبة الناصرية مع الانتفاضة الفلسطينية وتقرن كليهما مع اسامة بن لادن وافغانستان؟ مابين الخمسينيات والستينيات الناصرية من ناحية وتسعينيات الانتفاضة وافغانستان من ناحية اخرى، تبدلت خريطة الساحة الدولية. لكن العدو الاستراتيجي للأمة العربية والاسلامية لم يتغير فبقي على هيئته الثنائية كتحالف ثابت بين الحركة الصهيونية والامبريالية ومعنى هذا انه رغم اختلاف الرؤية النضالية السائدة في العهد الناصري ذات الطابع القومي الغالب، والرؤية النضالية السائدة الآن ذات الطابع الاسلامي الراديكالي يبقى الهدف الكفاحي الاستراتيجية للعرب والمسلمين واحدا: مواجهة التواطؤ التاريخي بين اسرائيل والولايات المتحدة ضد الشعوب العربية والاسلامية. وبنظرة فاحصة للوراء نكتشف اذن ان ما يتفاعل اليوم في العالم العربي والعالم الاسلامي تكملة لمشوار عبدالناصر بالتقاط الخيط من حيث تركه هذا الزعيم البطل. ولعل افضل نموذج لتجسيد هذه الحقيقة هو التحالف الذي تبلور اخيرا على صعيد المقاومة الفلسطينية بين الفصائل الوطنية ـ فتح والجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية ـ والفصائل ذات التوجه الاسلامي كحماس والجهاد الاسلامي. ولان العدو الاسرائيلي ـ الامريكي لم يتغير فان نظرته الى كل من الناصرية في الماضي وحركة المد الاسلامي في الحاضر لم يطرأ عليها تغيير جوهري، رغم اختلاف المصطلحات الوصفية من عهد الى عهد. فالناصرية كان يطلق عليها نعت «التخريب» بينما الحركة النضالية المعاصرة يطلق عليها «الارهاب». وفي كلا الحالتين فان التحالف الاستراتيجي الاسرائيلي الامريكي لم يتوقف لحظة واحدة عن محاربة الظاهرتين على مستوى عالمي. لقد تبنى عبد الناصر شعار «محاربة الاستعمار واعوان الاستعمار» لشن نضال تحريري لمدى 18 عاما حتى اخر لحظة من عمره في مواجهة حملة التأليب العالمي التي رتبها الغرب ضده بدفع من الحركة الصهيونية وقيادة الولايات المتحدة ولذلك عمد ناصر الى ترتيب حملة عالمية موازية قوامها منظمات وطنية وانظمة حكم تحررية في آسيا وافريقيا وأمريكا اللاتينية. هذا الطابع العالمي للمنازلة بشقيه الامبريالي والتحرري هو ما نراه الآن في صورة الحاضر المتحركة بين «التحالف الدولي» الذي تقوده الولايات المتحدة وما يتوقع ان يواجه من مقاومة تلتهب في كل ارجاء العالم. وبصرف النظر عما اذا كانت الحملة الغربية الراهنة سوف تنتصر او تنهزم في المعركة الافغانية المرتقبة، فانها لن تكون سوى واقعة واحدة ضمن سلسلة من معارك المستقبل لا يعلم نهايتها الا الله تعالى. فأخيرا، وبعد نحو ثلاثة عقود من رحيل جمال عبدالناصر يتخذ الصراع شكله النهائى: الغرب الصليبي اليهودي، ضد الاسلام وامة المسلمين، واذا كان الغرب يتخذ الآن من مصطلح «الارهاب العالمي» اسما مواربا لاخفاء جوهر هجمته لاعتبارات «تكتيكية» فانه سوف يضطر حتما الى تسمية الاشياء باسمائها الحقيقية في المستقبل القريب، عندما يتضح ان محاربة الامة الاسلامية لن تفلح الا في تفجير المزيد من مواطن قوتها الكامنة. حينئذ سوف يضطر قادة الغرب الى مكاشفة مجتمعاتهم بالحقيقة من اجل استنفارها باسم استنهاض المشاعر الصليبية واليهودية ضد تجدد المد الحضاري الاسلامي. ان افغانستان سوف تكون بداية .. لا نهاية كما يريدها الغرب.