من الواضح أن الحرب التي أعلنها الرئيس الأمريكي من جانبه، هي حرب لا نعرف تحديدا من هو العدو فيها، ولا تكفي عبارة (الحرب ضد الإرهاب)، فبريطانيا تعيش هذه الحالة في أيرلندا منذ عقود دون أن تبدو لها نهاية، فهي حرب قد تكون لها بداية، ولكنها من المؤكد بلا نهاية. إلا يوم القيامة. إذن فلن تكون النتيجة سوى دخول أمريكا في حرب استنزاف جديدة، تخسر فيها المزيد من مواردها، وتكسب فيها المزيد من الأعداء.أن أمريكا قد تنجح في اصطياد أحد هؤلاء الإرهابيين، إلا أن ذلك لن يكون إلا بقتل عشرات من الأبرياء (حتى بطريق الخطأ )، وذلك سيؤدي إلى خلق عشرات بل ومئات من الغاضبين الذين سيتحولون إلى أعداء جدد. قال الرئيس بوش إثر عودته من منتجع كامب ديفيد: (أنهم قد أيقظوا عملاقا جبارا ) مرددا ما قاله أدميرال ياباني بعد الهجوم المفاجئ على بيريل هاربور أثناء الحرب العالمية الثانية، وفي تصريح آخر قال: (نريد أسامة بن لادن حيا أو ميتا)!! ويبدو التناقض هنا ما بين وصف (العملاق الجبار) وبين الهدف الذي يسعى إلى تحقيقه . وما تطلق عليه أوساط الإدارة الأمريكية اسم (الإرهاب)، تراه أوساط أخرى (عمليات فدائية )، ففي أغسطس عام 1983 بلغ عدد ضحايا القوات الأمريكية 63 قتيلا، في واحدة من هذه العمليات في بيروت ضد السفارة الأمريكية، وفي أكتوبر من نفس العام وفي نفس المدينة (بيروت) وفي هجوم بسيارة ملغمة على معسكر لمشاة البحرية الأمريكية، خسرت أمريكا 299 قتيلا، وفي حادثة (لوكيربي) الشهيرة بلغت الخسائر 270 قتيلا، وفي حادثة مركز التجارة العالمي الأولى عام 1993 في نيويورك خسرت ستة قتلى، وفي تفجير مبنى أوكلاهوما ستي عام 1995 بلغت الخسائر 168 قتيلا، وفي إنفجار الخبر بالسعودية عام 1996 كانت الخسائر 19 قتيلا، وفي حوادث تفجير سفارتي أمريكا في كينيا وتنزانيا عام 1998 بلغت الخسائر 224 قتيلا، وفي حادثة المدمرة كول في عدن عام 2000 بلغ عدد الخسائر 17 قتيلا، ثم هذه التفجيرات الأخيرة التي يزيد عدد ضحاياها حتى الآن على ستة آلاف قتيل. هذا غير المصابين والخسائر المادية الفادحة في كل هذه الحوادث. أي أن هناك مواجهة مستمرة منذ ما يقرب من عقدين ضد أهداف أمريكية، ومن الملاحظ أن أغلب تلك الحوادث قد تمت خلال وجود حكومات تابعة للحزب الجمهوري الأمريكي في الحكم، كان الرؤساء على الترتيب أثناء هذه الحوادث هم: رونالد ريجان (جمهوري)، جورج بوش الأب (جمهوري:كلينتون (ديمقراط) ، جورج بوش الابن (جمهوري)، والحزب الجمهوري هو الذي يشتهر بإتخاذ المواقف المتشددة، وفي إطاره كانت مبادرة ريجان المعروفة بحرب النجوم، وكان التحالف الدولي الذي قامت أمريكا بتنظيمة ضد العراق خلال ولاية جورج بوش الأب، ثم كانت مبادرة جورج بوش الابن المعروفة بدرع الصواريخ، ثم هذه الأزمة الأخيرة التي أعلن فيها (الحرب على الإرهاب). وقد بدأت أمريكا في تمهيد المسرح الدولي لحرب أمريكية جديدة، فهي قد أطلقت دعوتها لبناء تحالف دولي يقوم بشن الحرب، ويبدو أنه تم الضغط على إسرائيل كي تتوقف عن حرب الإبادة التي تمارسها ضد الشعب الفلسطيني، ولو بشكل مؤقت لحين إنتهاء أمريكا من حملتها الجديدة، وذلك في محاولة لتخفيف المعارضة الشعبية في الدول العربية والإسلامية، وهو يشبه إلى حد كبير ما حدث أثناء حرب الخليج، حين ضغطت أمريكا على إسرائيل كي لا ترد على هجمات العراق بصواريخ سكود، وذلك ضمانا لتماسك التحالف آنذاك . إلا أن أهم تمهيد تقوم به الإدارة الأمريكية الآن، هو ما تحاوله داخل أمريكا نفسها، فهي تهيئ المواطن الأمريكي لحرب طويلة معقدة ومكلفة، كما أنها تهيئة للقبول ببعض القيود والإجراءات الداخلية التي تتنافي مع ما تحرص أمريكا عليه من حريات مدنية، وهناك بالطبع من يتخوف من عودة المكارثية، فضلا عن الخسائر الاقتصادية المحققة سواء تلك التي ترتبت مباشرة على حوادث التفجير، أو تلك التي ستترتب على تلك الحرب الجديدة. لقد أعلن المسئولون الأمريكيون بشكل واضح: (أنه من ليس معنا، فهو علينا)، وإنطلقت التصريحات المهددة بالويل والثبور وعظائم الأمور، وبدأت طبول الحرب تدق في كل أرجاء العالم، واصطفت دول الغرب بلا استثناء تقريبا، وبدون تحفظات هامة، بإعلان واضح وصريح لتأييد أمريكا في حربها أو حملتها الجديدة. ولم يجد الجنرال الباكستاني برويز مشرف مناصا من اختيار أقل الخيارين مرارة، وأرسل إنذار إلى حكومة طالبان بتسليم بن لادن وإلا. رغم أن هذا الموقف قد يكلف الباكستان ما قد يرقى إلى حرب أهلية دموية، ولكن فيما يبدو أتخذ هذا القرار وعينه على الهند التي اعلنت بكل وضوح أنها مع أمريكا وستقوم بكل ما يطلب منها. وزير خارجية طالبان وكيل أحمد متوكل حذر من أن أية دولة ستسمح لأمريكا بإستخدام مجالها الجوي أو أراضيها في الهجوم على افغانستان، سوف تضطر افغانستان إلى الرد عليها، وبالطبع هو يعني باكستان. ولابد أن نلاحظ ذلك الاجماع غير المسبوق في تأييد هذه الحرب داخل المجتمع الأمريكي، ففي الكونجرس الأمريكي كانت النائبة باربرا لي (من الحزب الديمقراطي ـ كاليفورنيا) هي الوحيدة التي وقفت ضد قرار الكونجرس بمنح الرئيس صلاحيات الرد العسكري، حيث كان التصويت 420 ضد 1، وقالت أن سر هذا التصويت يرجع إلى أنها أنصتت إلى أحد القساوسة في القداس الذي أقيم على أرواح الضحايا، حين قال: (عندما نقوم بالرد، يجب ألا نقلد الشر الذي نأسف عليه الآن)، وكان ذلك دافعا لها كي تصوت بالرفض . ولكن لا ينبغي أن نغفل ما يتردد حاليا داخل ذلك المجتمع، فهناك تخوف من آثار تلك الحرب الجديدة على مستوى الرفاهية المتوفر حاليا، وهناك إدراك أن هذه الحرب تختلف عن الحروب التي خاضتها أمريكا مؤخرا (مثل حرب الخليج، والبلقان)، ففي حين وفرت التكنولوجيا حماية لأرواح الجنود الأمريكيين، وكانت تلك الحروب بغير خسائر محسوسة في القوات الأمريكية فإن أغلب المحللين يرون أن الحرب الجديدة سوف تكلف أمريكا خسائر كبيرة في الأرواح، ولعله من اللافت للنظر أنه لم يكن هناك إقبال من الشباب الأمريكي على التطوع في الجيش خلال الأيام السابقة رغم الدعاية الهائلة في هذا الصدد، وهو ما جعل الحرس القديم من المحافظين يرددون المقارنة بين (بيرل هاربور) وبين التفجيرات الأخيرة في محاولة لحث الشباب على التطوع، حيث أن نظام التنجيد الإجباري غير معمول به منذ إنتهاء الحرب الفيتنامية . من المؤكد أننا نشهد بالفعل ملامح ما أطلق عليه (بوش الأب) النظام الدولي الجديد، الذي أصبح فيه مفهوم الشرعية الدولية يقتصر على تفسير الإدارة الأمريكية ورؤيتها للعالم، بحيث لا يصبح لباقي أعضاء الأسرة الدولية خيار إلا الصمت أوتأييد مواقف تلك الإدارة، بل أن الصمت لم يعد خيارا مأمونا، آخذا بقاعدة (من ليس معنا، فهو علينا) التي أعلنتها مصادر تلك الإدارة مؤخرا، إذن فنحن أمام حالة غير مسبوقة في تاريخ العلاقات الدولية، حين تصبح الحقيقة حكرا على دولة واحدة، ويحل الكونجرس الأمريكي محل الأمم المتحدة، تلك المنظمة التي لم نسمع لها صوتا أو بادرت بأي موقف منذ بداية تلك الأحداث الأخيرة، أن ما نراه في ملامح ذلك النظام الدولي الجديد هو أبرز تجسيد لنظرية العولمة في بعدها السياسي، حيث تتلخص في هيمنة سياسة مطلقة، كي تتواكب مع الهيمنة الاقتصادية والثقافية بصبغة أمريكية خالصة. ومن المؤكد أن لكل فعل رد فعل مضاد، ويبدو أن هناك بعض البديهيات التي لا يراها الأقوياء أو أنهم يستهينون بها، وربما أيقظت إنفجارات نيويورك وواشنطن ذلك المارد الجبار ـ كما قال الرئيس الأمريكي، إلا أن ذلك المارد الأعمى قد يجتاز خطوطا حمراء مكهربة قد تعيد الحياة إلى مارد أشد ضراوة وأكثر شبابا، مارد يمثل عولمة مضادة تجمع حلفا يضم كل المضطهدين والفقراء، عولمة رافضة لكل ما تمثل الولايات المتحدة الأمريكية وخاصة خلال النصف الأخير من القرن العشرين . ـ كاتب مصري