انقضى عام بالتمام والكمال على انتفاضة الأقصى، وكأنه دورة تاريخية بأحداثه وتطوراته وبطولاته في زمن يضُن على أمتنا بالبطولة، وكأنها صارت من المفاهيم المتحفية، نقصد البطولة التاريخية، البطولة من أجل قيمة اعلى تهون دونها الحياة، بطولة الفداء والاستشهاد من أجل كرامة الوطن والعقيدة، اما ماعداها من صور زائفة للبطولة، فهي كالزبد يذهب جفاء، وما أكثرها في زمن تزييف الوعي وامتهان الحقائق. مرت أيام الانتفاضة مرور السحاب، ورغم ثقل الهجمة الارهابية الصهيونية، وضراوة آلة العدوان عسكريا، والمدعوم بمظلة تضليل دبلوماسي وسياسي، الا ان الحجر الفلسطيني اثبت انه امضى من صواريخ كروز، ورصاصات دمدم، ومروحيات آباتشي، فهو حجر صوان منحوت من صخر الارادة العربية، ومشبع بأريج الحق، تتلقفه أيادٍ طاهرة، لم يطلها الدنس الصهيوني، وعندما تقذفه فإن شحنة غضب مقدس تنفخ فيه، وتحيله الى قوة طاغية تزلزل قلوب جرذان الاحتلال، حتى وان تحصنوا بالمدرعات، ويدهش العالم لمرآهم وهم يختبئون خلف المجنزرات مذعورين، والبنادق مشرعة في ايديهم، رغم ان اطفالا صغارا يحملون حجارة فلسطين هم الذين يتصدون لهم. مرت أيام وشهور انتفاضة الأقصى على ايقاع الساعين في درب الشهداء، يضمخون بدمائهم اعلام الوطن، ويمنحوننا لحظة كرامة وفخر من خلف ظهر زمان الواقعية الناعسة على لحن الانقياد، والرضوخ للقوة المتغطرسة. وبفضل وهج ونبل الشهداء الابطال الاطفال الذين اشعرونا بالخجل من انفسنا تجلى معنى الفداء العربي والعزة والكرامة، وسطع نور فجر يجاهد لابتلاع ظلمة عصر الاحتلال، وتيقن المرجفون منا، بأن نيران المقاومة يمكنها ان تصهر نفوسهم وتطهرهم من أدران اليأس والدونية وفقدان الثقة في الغد العربي. وعندما اخترقت رصاصات الغدر أجساد اكثر من مئة طفل ورضيع، وسرقت منهم الحلم بطفولة سعيدة، ووأدت احلام الاباء والامهات الثكلى، الا انها منحت الوطن اوسمة وشهادات تثبت جدارة ابنائه في الانتماء اليه. وقد يكون العام الاول من انتفاضة الأقصى في مجمله، وفي المرئي والمنظور، بتضحياته بأكثر من 15 الف جريح وقرابة ألف شهيد، قد فاقت تضحياته مكاسبه، الا انه حقق انجازا نادرا، حيث اعاد الثقة وببساطة وبعفوية وتلقائية لمقولة وحقيقة وجودنا كأمة عربية واحدة، وازال التراب عن صورة ناصعة باتت محجوبة عن اعيننا سنوات. وعندما فاضت ارواح الشهداء محمد الدرة وايمان حجو «4 شهور»، انتفضت جذوة الغضب ودفعت اطفالا من مصر وسوريا وغيرها لمغادرة فراشهم وحضن اسرهم الدافيء، وانطلقوا في العراء الى الحدود مع فلسطين المحتلة، حالمين بمجد الشهادة من اجل القدس. هذا الانجاز، وهذا التواصل العابر للحدود، واعادة الثقة لرابطة العروبة والاسلام يجب ان يكون العمل موصولا للحفاظ عليه، وساعتها سنكون قد ادخلنا الفرح إلى قلوب الشهداء، وطوبى للوطن والعروبة وللقدس حتى تتحرر من دنس الارهاب الصهيوني، وتصبحون على انتفاضة.