تلقيت من صديقي الدكتور عادل سليمان جمال الدين الطبعة الأخيرة من تحقيقه كتاب (الحماسة البصرية) لصدر الدين علي بن الحسن البصري، وهي طبعة متميزة تقوم على تحقيق متقن في أربعة مجلدات، مطبوعة طباعة فاخرة في مطابع مكتبة الخانجي بالقاهرة، والدكتور عادل سليمان لمن يعرفه ورث العلم بالتحقيق عن شيوخ أجلاء منهم الأستاذ محمود شاكر الذي نشترك في التلمذة عليه. وقد نشر عادل قبل ذلك ما جمعه من شعر الأحوص بن محمد الأنصاري، كما حقق (المنتخب في محاسن أشعار العرب) المنسوب الى الثعالبي، أما (الحماسة البصرية) فهي من نفائس التراث العربي، وترجع أهميتها لما تحتويه لكثير من الشعراء الذين لا نعرف عنهم شيئا، والذين ضاعت دواوينهم ضمن ما ضاع من دواوين شعراء العرب القدماء، وقد قضى عادل سنوات طويلة من العمل المضني في تحقيق هذه الموسوعة، ولم يتردد في بذل أقصى ما يستطيع من جهد في العمل بها، الى أن خرجت (الحماسة البصرية) في أبهى حلّة وأدقها، مضبوطة بالشكل، مشروحة المفردات، مع عشرات التراجم للشعراء الذين وجد لهم المحقق تراجم، وأردف التحقيق بمجموعة من الفهارس التي تبدأ بفهرس الأشعار ثم الشواهد ثم الشعراء ثم الاعلام ثم الأماكن، وبعدها فهرس الآيات القرآنية ثم الأمثال ثم الأيام ثم النبات ثم النجوم ثم أسماء الخيل، وأخيرا فهرس اللغة وفهرس ألفاظ اللغة التي لم ترد في المعاجم أو قصرت المعاجم في بيانها، وفهرس مباحث العربية والنحو، وأخيرا فهرس ضرائر الشعر. وقد فرحت بالطبعة الجديدة للحماسة، وهربت من أشغالي الادارية لأفرغ لها بعض الوقت، وقضيت معها سويعات هنية، نعمت فيها بمعرفة محتويات الحماسة من ناحية، وطريقة عادل سليمان المتقنة في التحقيق من ناحية مقابلة. ولم أترك الحماسة البصرية إلا بعد أن أخذت فكرة لا بأس بها عن أبوابها العديدة، وأولها باب الحماسة حسب النهج الذي اتبعه أبو تمام في حماسته الشهيرة التي كانت الأصل، وبعد باب الحماسة يأتي باب المديح والتقريظ، ثم باب التأبين والرثاء، ثم باب الأدب، ثم باب النسيب والغزل، وبعده باب الأضياف ثم باب الهجاء وباب مذمة النساء وباب الصفات والنعوت، وفي النهاية تأتي أبواب السير والنعاس، والملح والنوادر، وما جاء في أكاذيب العرب وخرافاتهم، وما جاء في ملح الترقيص، وتختتم الحماسة بباب الزهر. وبالطبع، توقفت عند باب الأدب، ومنه الى باب النسيب والغزل، وتأملت ما جاء في باب الملح والمجون وما ورد عن العرب من خرافات، وضحكت على بعض ملح الترقيص التي لا يمكن أن تسمح الرقابة بنشرها في هذه الصحيفة، فقد كان أسلافنا من علماء العرب أكثر سماحة وسعة صدر من سدنة الأخلاق في هذا العصر. وأعترف أنني توقفت طويلا عند باب مذمة النساء، لأسباب عديدة: منها أنني ظننت أنه قد يكشف عن سوء ظن متأصل بالمرأة، وعن نظرة مستريبة، لها شواهدها الكثيرة في كتب التراث العديدة. وهي كتب تحفل بمذمة النساء بوجه عام، وتسعى الى مخاطبة قراء تغذوا على ثقافة معادية للمرأة على الاطلاق، منحازة للرجل على الاطلاق في الوقت نفسه. ولا أريد أن أضرب أمثلة على مرويات هذه الثقافة، فقد تحدثت عن ذلك من قبل، ابتداء من المرويات المنسوبة الى العصر الجاهلي وانتهاء بالمرويات التي تكاثرت في العصور المتأخرة. وكان من نتيجة ذلك أن استقر في الوعي الشعبي أن المرأة مخلوق ناقص، أحبولة الشيطان، لا عقل لها، نزاعة الى الشهوات، داعية الى الاثم، عورة ينبغي أن تحجب، شريرة لا ينبغي تعليمها الكتابة. الى آخر كل تلك المرويات التي تستحق دراسات ودراسات، على الأقل لتميز تجليات الصور السالبة للمرأة عبر العصور، وتميز كل عصر بالتركيز على صفات بعينها. ولذلك لفت نظري باب مذمة النساء، وتوقفت عنده، متأملا نماذجه القليلة بالقياس الى نماذج الأبواب الأخرى، ولكن صاحب الحماسة خيب سوء ظني، ولم يقع في غواية مذمة النساء على الاطلاق كما فعل كثيرون من المؤلفين القدماء. وكان واضحا أن النماذج التي يذكرها صاحب الحماسة هي لشعراء خاب ظنهم في حبيباتهم، أو شعراء يشتكون من زوجاتهم، أو لأزواج يتمنون موت الزوجات المعذبات. ولعل الوعي اليقظ للشيخ صدر الدين علي بن أبي الفرج بن الحسن البصري حال بينه وبين ذكر نماذج شعرية تتحدث عن سوء طبع النساء بوجه عام، كما فعلت مجموعات أخرى من كتب التراث فاقتصر في (الحماسة البصرية) على المقطعات التي هي أقرب الى شكوى الزوجات النكدات اذا شئنا الدقة، والحق أن هذا جانب ينبغي أن يذكر لصاحب (الحماسة البصرية) الذي لم ينزلق الى ما انزلق غيره من حشد المرويات المعادية لجنس المرأة بوجه عام. ولعل صديقي عادل سليمان يولي هذا الجانب عنايته في المستقبل. أما عن شكوى الزوجات النكدات، أو هجاء أمثالهن، فإن نماذجه التي تدخل في باب الهجاء بوجه عام تثير الابتسام، ولست أدري من أين أتى لي هذا الهاجس العجيب بأن صاحب (الحماسة البصرية) اختار هذه المقطوعات عامدا، ربما ليغيظ زوجه في نوع من المداعبة الخشنة، أو على سبيل التفريج عن غضبه من زوج نكدية، أحالت حياته الى جحيم، وأيا كان السبب الذي دفعه الى ذكر مذمة النساء، فإنه سبب لا يخلو على أي حال من السخرية من الزوجات النكدات المسترجلات المخيفات. أعني الزوجات اللائي ينطبق عليهن قول جردان العود النميري: يقولون في البيت لي نعْجَةٌ وفي البيت لو يعلمون النَّمِرْ أحِبِّي لِي الخير أو أبْغِضِي كلانا بصاحبه مُنْتَظِرْ وأحسب أن أمثال هذه الزوجة النمر (وليست النعجة بأي حال من الأحوال) أتعسن من الأزواج ما نطق باسمهم الشعراء أصحاب المقطوعات المذكورة في (الحماسة البصرية). وأولى هذه المقطوعات مقطوعة للحطيئة جَرول بن أوس العبسي يقول فيها: تَنَحَّيْ فاقْعُدي منِّي بعيدا أراح اللهُ منكِ العالمينا أَغِربْالا إذا استُودِعت سِرا وكانونا على المتحدثينا حياتك ما حييتِ حياةُ سوءٍ وموتُك قد يَسُرُّ الصالحينا ولا أدري أي نوع من النساء تلك التي تزوجها الحطيئة، وتلك التي بلغ كرهه لها وخوفه منها الى درجة أن يدعو عليها بالموت، مؤكدا أن حياتها سيئة وموتها راحة، وأنها نكد دائم، لا تحفظ سرا، وتُلقي بحجم حمقها وشرها على كل من يلقيه حظه العاثر للحديث إليها، ولا أدري هل كانت هذه المرأة كذلك حقا، أم أن الأمر يدخل في مبالغات الشعراء الذين يتّبعهم الغاوون أحيانا؟! على كل حال، اشتهرت أبيات الحطيئة، وأذكر أننا كنا - ونحن طلاب - نردد البيت الثاني بعد أن تعلمناه على يد أستاذنا المرحوم مصطفى السقا ضمن شواهد النحو. ولا أتصور أن واحدا منا جرؤ على أن يقول هذا البيت لزوجه ولو على سبيل المزاح، ولا أعرف ما الذي أصاب الحطيئة من هذه المرأة بعد أن قال عنها ما قال؟! وقريب من أبيات الحطيئة ما قاله جران العود عن زوجته النمرة التي أخرجها من دائرة الحيوانات الأليفة الى دائرة الحيوانات الشرسة، وقال عنها: من كان أصبح مسرورا بزوجتهِ من الأنام فإني غيرُ مسرورِ كأن في البيت بعْدَ الهَدْءِ راصِدةً غُولا تَصَوَّرُ لي في كلِّ التصاوير شَوْهَاءُ ورَهْاءُ مسنونٌ أظافِرُها لم تُلفَ إلا بشَعْرٍ غير مضفور مَشُوَمةُ الوجه نحسٌ ما تفارقُهُ كأنَّها دّبِقَةٌ في ريش عصفور كأنني حين ألقى وجهها بُكّرا أهوِي الى الليل يومي ذاك في بير ويا للهول كما يقول يوسف وهبي، فالمرأة النمرة أصبحت غولا يتشكل في كل الأشكال البشعة، قبيحة الوجه والخلقة (شوهاء) حمقاء (ورها) مشئومة، كأنها دبقة تلزق في جناح عصفور مسكين فيصاد، والدبقة هي حمل شجر في جوفة كالغراء لازق، يلزق بجناح الطائر فيصاد به، والزوج المسكين لهذه المرأة الغول يسودّ صباحه حين يراها فيغدو ليلا مظلما، ويسقط في الهم والغم كأنه يهوي إلى أعماق بئر مظلمة. ولا أظن أن هناك هجاء أقسى من هذا الهجاء لزوجة من الزوجات. وأخف منه - على أي حال - ما ترويه (الحماسة البصرية) لشاعر اسمه ذو الكبار عَمَّار الهمداني من العصر الأموي: إن عِرْسي لا هداها الل ه بنتٌ لربَاحِ كل يوم تَفزعُ الجلاَ سَ منها بالصّياح ولها لون كداجي اللي ل من غير صباح ولسان صارِمٌ كالسّ يف مشحوذُ النواحي عجّل الله خلاصي من يديها وسراحي وواضح أن زوجة السيد عَمّار وكان اسمها دومة بنت رباح قد أذاقته ما أذاقت زوجة جردان العود زوجها الذي كان على قدر من التهور الذي دفعه الى الزواج من امرأتين في وقت واحد، فكانت واحدة منهما غولا، وكانت الثانية نمرة، أو لعلهما معا كانتا غولا ونمرة. المهم أن دومة بنت رباح تخلَّقت فيما يقول زوجها بخلق أبيها في شرب الشراب والمجون والسفه حتى صارت تُدخل الرجال عليها وتجمعهم على الفواحش، ثم حجَّت وحاولت تغيير سلوكها، ولكنها لم تعجب زوجها فيما يقول صاحب (الأغاني)، وأظهر لها ذات يوم عدم رضاه، لسوء حظه وقلة عقله، فضربته وخرقت ثيابه، فطلَّقها وقال هذا الشعر الذي يرويه أبو الفرج الأصفهاني في كتابه (الأغاني). وواضح أن شجاعة عمّار الهمداني التي دفعته الى طلاق هذه الزوجة كانت أكثر اندفاعا من شجاعة زميل له، لا نعرف اسمه، ظل مبقيا على زوجة نكدة اسمها ليلى لثلاثين عاما، وظل يحتملها الى أن جرؤ أخيرا على طلاقها، وقال أبياته التي تذكرها «الحماسة البصرية»: صبرتُ على ليلى ثلاثين حِجَّةً تعذّبني ليلى مرارا وتصخبُ إذا قلت: هذا يومَ ترضى تنمَّرتْ وقالت: فقير سيِّئُ الخلق أشيبُ فقلت لها: قد يُعِسر المرء حقبةً ويصبر والايام فيها التقلّب فلما رأيت أنها لي شانِئٌ تنكبتها والحرُّ يحمي ويغضبُ وطلّقتُها إني رأيت طلاقها أعفَّ وفي الأرض العريضة مذهب