لا يبدو ان لدى روسيا من الأوهام ما يجعلها تبحث عن دور رئيسي ومؤثر في العملية السلمية الخاصة بأزمة الشرق الاوسط، كما كان الحال في ايام الاتحاد السوفييتي السابق. ومع ذلك فان موسكو، التي تملك مصالح واسعة في دول عربية عديدة، كما تقيم علاقات ،قوية مع اسرائيل بعد انفتاح باب هجرة اليهود من روسيا الى الدولة العبرية، ترى من المهم الا تغيب عما يحدث في هذه المنطقة الحساسة، خصوصا وان ذلك لا يكلفها شيئا. وخلافا للوضع الذي كان سائدا في روسيا خلال مرحلة الرئيس السابق بوريس يلتسين، حيث كانت الفوضى سيدة الموقف وليس ثمة ملامح واضحة للسياسة الروسية الخارجية، فان الحكم الحالي بقيادة فلاديمير بوتين يملك رؤية واضحة بالنسبة لما يحدث في العالم، ويحاول ان يكيف السياسات الروسية في ضوء هذه الرؤية. ومن الامور الرئيسية التي يحرص عليها الرئيس بوتين في سياساته عدم الاصطدام بالولايات المتحدة، خصوصا عندما لا تكون لروسيا مصالح كبيرة تستلزم ذلك. لذا فان تدخل موسكو في العملية السلمية، بعدما تخلت تلقائيا عن دور الراعي الثاني فيها، يقف عند الحدود التي تضمن بقاء التفاهم قائما مع واشنطن. وهو ما يؤكده الخطاب الروسي المعلن. خطوتان ضمن التحرك ضمن هذا الاطار اتخذ الحكم الروسي خطوتان: الاولى، تعيين اندريه فيدوفين مبعوثا خاصا للرئيس فلاديمير بوتين لمتابعة العملية السلمية واجراء اتصالات مع الفرقاء المعنيين للتوفيق فيما بينهم. والخطوة الثانية، تكليف رئيس الحكومة السابق يفجيني بريماكوف مهمات محددة تتعلق بالقضية نفسها. ومن بين هذه المهمات نقل رسائل الى رؤساء بعض دول المنطقة توضح الموقف الروسي الرسمي وتطرح بعض المقترحات والافكار لوقف تدهور الموقف ومعالجة جوهر المشكلة. كما اجرى وزير الخارجية الروسي ايجور ايفانوف محادثات مع عدد من ممثلي الدول المعنية، محذرا مما وصفه بـ «السيناريو الاسود» الذي تسير اليه الامور، ومشددا على استئناف الحوار بين الاسرائيليين والفلسطينيين. واكد ان لا حاجة لاطلاق مبادرة جديدة خاصة بأزمة الشرق الاوسط. بالنسبة للمبعوث الرسمي فيدوفين فقد قام بثلاث جولات في المنطقة، تمت الاخيرة في العشرين من يوليو الماضي والتقى خلالها الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات والمسئولين المصريين المعنيين وامين عام جامعة الدول العربية عمرو موسى والمسئولين الاسرائيليين. ومع ان المبعوث الروسي وصف الوضع في الاراضي الفلسطينية بأنه متزايد الخطورة، كما كرر الدعوة الى تدخل دولي لمساعدة الطرفين على التفاهم، الا انه لم يؤكد مساندة موسكو نشر قوة مراقبة دولية، وهو المطلب الذي لايزال يشكل أولوية عاجلة بالنسبة للجانب الفلسطيني لحماية الفلسطينيين من بطش الاحتلال الاسرائيلي، او القيام بدور الشاهد المحايد على الاقل. الى ذلك، فقد اتسمت البيانات الرسمية الروسية، في التعقيب على العمليات الارهابية التي تنفذها قوات الاحتلال الاسرائيلية ضد الناشطين والمدنيين الفلسطينيين، بالكثير من التصميم و«الحيادية»، الى حد تجنب تسمية الطرف المعتدي، وهو طبعا الطرف الاسرائيلي. وقد اظهر هذا الاسلوب موسكو وكأنها «تمسك بالعصا من الوسط» بما يجنبها اتخاذ موقف واضح مما يجري، مكتفية باعلان موافقتها على تنفيذ «خطة ميتشل» التي اصبح من الواضح انها غير قابلة للتنفيذ بسبب العقبات التي تضعها اسرائيل في طريقها. تأكيد الثوابت بيد ان الموقف الروسي يتخد شكلا اخر عندما يتعلق الامر بالمبعوث الروسي الاخر يفجيني بريماكوف صاحب الخبرة الواسعة في شئون الشرق الاوسط. فقد حمل بريماكوف الى زعماء الدول التي زارها، موفدا من قبل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، خطة للتسوية نصت على تزامن وقف اطلاق النار مع سحب القوات الاسرائيلية ووقف النشاط الاستيطاني. وقال محذرا ان «شعور الفلسطينيين المتزايد، باليأس والاحباط سيؤدي الى تشديد ضغط الشارع على الساسة، وستكون له مضاعفات سياسية خطيرة في الدول العربية» واوضح بريماكوف ان المبادرة المصرية ـ الاردنية وتقرير لجنة ميتشل هما وثيقتان تكتيكيتان «هدفهما خلق ظروف مناسبة للخروج من المأزق واستئناف المفاوضات». وذكر ان المشروعين اللذين ايدتهما روسيا تضمنا بندا بالغ الأهمية، تجاهلته اسرائيل، وهو وقف النشاط الاستيطاني. واقترح بريماكوف خطة من ثلاثة بنود لتجاوز العقدة الراهنة: 1 ـ تزامن وقف النار وسحب القوات الاسرائيلية من الاراضي الفلسطينية. 2 ـ اعلان اسرائيل عن وقف كل انواع النشاط الاستيطاني، مع التشديد على ان هذا الاعلان يجب ان يعقب فورا تنفيذ البند الأول. 3 ـ الاقرار بأن المفاوضات المقبلة تبدأ من النقطة التي توقفت عندها في محادثات طابا (خلال عهد حكومة ايهود باراك)، وليس من النقطة صفر. وقال بريماكوف ان الرئيس فلاديمير بوتين على استعداد لزيارة المنطقة في حال عقد قمة دولية تكرس للتسوية السلمية في الشرق الاوسط. ثم اكد في تصريحات لاحقة على ضرورة الاستعانة بمراقبين دوليين تابعين للامم المتحدة، حتى لو رفضت اسرائيل ذلك. ومن الواضح ان تصريحات بريماكوف واقتراحاته، تختلف بل وتتناقض مع تصريحات روسية اخرى صدرت عن وزارة الخارجية، وخاصة فيما يتعلق بالمراقبين الدوليين والفيتو الذي تضعه اسرائيل على دورهم. وقد لاحظ المراقبون حدوث نوع من البلبلة بسبب هذه المؤشرات المتباينة، وكأن هناك اكثر من طرف يوجه السياسة الخارجية الروسية. الزيارة الخائبة على ان الزيارة الرسمية التي قام بها رئيس الحكومة الاسرائيلية ارييل شارون الى موسكو في الخامس من سبتمبر الجاري بدت وكأنها فرصة للقيادة الروسية لاعادة تأكيد دورها «المفقود» في العملية السلمية وموقفها من الاساس الذي انبنت عليه والاقتراحات الرامية الى تحريكها. وقد التقى شارون الرئيس الروسي بوتين ووزير الخارجية ايجور ايفانوف، كما حرص على عقد لقاء مع زعماء الطائفة اليهودية في روسيا، في حين رفض بطريرك الكنيسة الارثوذكسية الكسي الثاني استقباله احتجاجا على الاعمال الارهابية التي تمارسها اسرائيل ضد الشعب الفلسطيني بطوائفه المختلفة ومؤسساته الدينية. ومع ان شارون اسمع بوتين الكلام الذي يعجبه حول موضوع «الارهاب» لتحريضه على المقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال الاسرائيلي، الا انه لم يستطع بذلك تفسير الموقف الروسي التقليدي من القضية الفلسطينية. وخلافا للانطباع الذي حاول شارون تعميمه عن «تفهم الرئيس الروسي للموقف الاسرائيلي» من التطورات التي تشهدها الاراضي الفلسطينية منذ عام كامل، فقد حرصت موسكو على اعادة تأكيد موقفها المبدئي من العملية السلمية كما استقبلت، فور انتهاء زيارة شارون، الرجل الثاني في السلطة الوطنية الفلسطينية محمود عباس (ابو مازن) حيث جرت مباحثات معه تناولت بعض الافكار التي طرحت خلال اللقاءات التي تمت مع رئيس الحكومة الاسرائيلية في شأن تضييق الهوة بين الموقفين الفسطيني والاسرائيلي. وعقب لقاء وزير الخارجية الروسي ايجور ايفانوف مع ابو مازن قال الاول ان «اساس اي تسوية في المنطقة يجب ان يكون باعادة الحقوق الشرعية الكاملة للشعب الفلسطيني بما في ذلك حقه في اقامة دولته المستقلة وعودة اللاجئين والانسحاب من جميع الاراضي العربية المحتلة»، واوضح ايفانوف ان عملية التسوية يجب ان تضمن حقوقا متساوية لجميع الاطراف في الامن والاستقرار، على أساس قرارات الامم المتحدة، لاسيما القراران 242 و338، ومبدأ الارض مقابل السلام الذي اقره مؤتمر مدريد. وبالاضافة الى التشديد على هذه المبادئ، التي كانت دائما من بين ثوابت السياسة الروسية في المنطقة، دعا وزير الخارجية الروسي الى الشروع في تطبيق توصيات لجنة ميتشل لانه، في رأيه «تشكل مدخلا صحيحا لاستئناف عملية السلام». وعلى اثر هذه اللقاءات اعلن ايفانوف ان الرئيس بوتين طلب اليه ايفاد مبعوثه الخاص اندريه فدوفين الى المنطقة لاجراء مباحثات جديدة مع اطراف الصراع انطلاقا من الافكار التي طرحت خلال لقاءات موسكو الاخيرة. وقد شملت جولة المبعوث الروسي كلا من اسرائيل وفلسطين ومصر والاردن. واذا كانت موسكو حرصت لاعتبارات سياسية ودبلوماسية، على عدم الكشف عن حقيقة الاجواء التي سادت لقاء فلاديمير بوتين وشارون، الا انها لم تستطع اخفاء الملابسات التي رافقت محاولة رئيس الحكومة الاسرائيلية زيارة بطريرك الكنيسة الارثوذكسية. ففضلا عن ان البطريرك الكسي الثاني رفض استقبال شارون، فقد تعمد استقبال السفير الفلسطيني في موسكو خيري العريدي في اليوم نفسه ليبلغه موقف الكنيسة الارثوذكسية الداعم لحقوق الشعب الفلسطيني. وعلى اثر ذلك نقل السفير العريدي عن البطريرك الكسي الثاني قوله انه «لن يكون هناك سلام في ظل استمرار شارون في السلطة» كما نقل عنه القول ان «اليهود يريدون تفريغ القدس من المسيحيين لتحويلها الى متحف يهودي». واكد البطريرك ان شارون «تحمل مسئولية تدمير عملية السلام». ومع ذلك، لا يتوقع المراقبون ان يؤدي التحرك الروسي الجديد الى اي نتيجة، طالما ان الحكومة الاسرائيلية تضع شروطا تعجيزية لاستئناف المفاوضات السياسية بين الاسرائيليين والفلسطينيين، وهو الامر الوحيد الذي يضع حدا للمواجهات المستمرة في الاراضي الفلسطينية. والعائق الثاني في وجه المحاولة الروسية هو موقف الادارة الامريكية الذي يتبنى كليا السياسات الاسرائيلية ويدافع عنها، كما يحول دون تدخل اطراف اخرى في العملية السلمية لابقائها ضمن حدود التصورات الاسرائيلية ـ الامريكية المشتركة. يبقى.. ان السبب الحقيقي لهذه النتيجة المتوقعة هو تجنب موسكو الاصطدام بالموقف الامريكي السلبي، وايضا بالموقف الاسرائيلي الذي يعبر عنه ارييل شارون افضل تعبير. ـ كاتب وصحافي لبناني مقيم في فرنسا