هل المخاطرة الباكستانية بحجم المكافأة الأمريكية؟ هذا هو السؤال الحاسم الذي كان يجب ان يطرحه رئيس باكستان الجنرال برويز مشرف على نفسه وعلى رفاقه من قادة المؤسسة العسكرية الباكستانية في «مجلس الأمن القومي» وهم يبحثون أمر التعاون مع الولايات المتحدة في حربها المزمعة ضد افغانستان طالبان. نعلم بالطبع ان مشرف والقادة الباكستانيين وافقوا بالفعل على التجاوب مع قائمة الطلبات الامريكية، بما في ذلك الاذن باستخدام المجال الجوي الباكستاني و تزويد القوات الامريكية بمعلومات استخبارية. هناك مؤشرات بأن حكومة مشرف ربما تكون قد تعهدت سرا لواشنطن بمشاركة قوات باكستانية في الحرب الامريكية المرتقبة عبر الحدود ضد الجار الافغاني. لكن رغم ركوب القادة الباكستانيين هذه المخاطرة التاريخية العظمى التي من المحتم ان تورط البلاد في أخطار حربية ماحقة، فان المكافأة التي تعهدت بها واشنطن في المقابل ليست في مستوى جسامة الخيار الباكستاني. لقد وعدت الولايات المتحدة بتخفيف عبء الديون الخارجية التي ترزح تحتها باكستان وتهبط باقتصادها الوطني من حال شظف الى حال افلاس. وهذا وعد يبدو في ظاهره كبيرا لكنه في الحقيقة ليس سوى قطرة ماء. فالقرار الأمريكي لا يتعلق بجملة المديونية البالغ قدرها 34 مليار دولار، وانما ينحصر في القسط السنوي للعام الجاري الذي يبلغ فقط 1.6 مليار دولار. ثم ان القرار لا يتحدث عن «اعفاء» أو «شطب» أو «الغاء» او شيء من هذا القبيل وانما يتحدث عن «اعادة جدولة» وحتى اعادة الجدولة ليست كاملة وانما جزئية. بكلمات اخرى فان قرار واشنطن ينص على جدولة جزء من القسط السنوي في حدود 600 مليون دولار. ومعنى الجدولة هو ان تمنح للطرف المدين مهلة زمنية أوسع للسداد، ولكن على أن يدفع سعر فائدة مركبا كغرامة عن التأخير. لقد كان حريا بالجنرال مشرف وهو بصدد اتخاذ قرار مصيري يضع مستقبل الدولة الباكستانية على كف عفريت، ان يتقدم الى واشنطن بطلب مصيري. واذا كان الغضب العام المتصاعد في الشارع الباكستاني ناشئا عن رفض توريط الدولة في حرب كبرى ضد شعب شقيق في الجوار وما يمكن ان تسفر عنه مثل هذه الحرب من خطورة جسيمة على الأمن القومي الباكستاني ووبال اقتصادي، فان موجة هذا الغضب العارم ربما كانت لتنحسر لو ان الجنرال مشرف استطاع ان ينتزع من واشنطن وعدا حازما بالغاء جملة الديون الخارجية المترتبة على باكستان دفعة واحدة، حتى يستطيع الاقتصاد الوطني الباكستاني ان يتنفس مرة اخرى. ان لدى باكستان ثلاث قضايا وطنية مصيرية. فبالاضافة الى الازمة الاقتصادية المزمنة الناشئة أساسا عن الديون الخارجية، هناك مسألة كشمير والمحافظة على البرنامج النووي. وعندما يهم حاكم باكستاني، أيا يكون، بدخول مساومة مصيرية على اعلى مستوى من الخطورة مع دولة عظمى، فان خطه التفكيري يجب ان يكون على مستوى هذه القضايا الثلاث او احداها على الاقل. وعلى هذا الاساس كان المأمول من الجنرال مشرف وهو يفاوض الادارة الامريكية في شأن جلل ان يجعل من القضايا الثلاث الكبرى مرجعية نهائية لمعركته التفاوضية. فاما ان يطلب شطب جملة الديون بصورة كاملة، او تعهدا من الولايات المتحدة بتطوير البرنامج النووي الباكستاني او على الاقل حمايته، او مساعدة امريكية جادة في تحرير كشمير من الاحتلال الهندي. وعندما تندلع الحرب الامريكية المرتقبة ويزداد لهيبها وتتسع دائرة خرابها، فان السؤال الذي لن يكف الشارع الباكستاني عن ترديده هو: ماذا لقينا غير قبض الريح؟ أحمد عمرابي