قد لا يعلم الذين يراهنون على الاتجاهات السلامية ـ هل نقول الحمائمية ـ لدى وزير خارجية اسرائيل شيمون بيريز ان بيريز وليس غيره هو الذي اعطى دفعة اكثر من قوية لحركة الاستيطان العدواني الصهيوني في الارض الفلسطينية المحتلة. صحيح ان بيريز اصدر كتابا شهيرا يبشر بالمن والسلوى والتعاون المصلحي المشترك في المنطقة، تحت اسم «الشرق الاوسط الجديد». وصحيح ان كثيرا من المثقفين، ومنهم للاسف مثقفون وساسة عرب، احتفلوا بالكتاب المذكور وظلوا يعللون انفسهم بالاماني العذاب على اساس ان ثمة مشروعا مشتركا في الطريق يبشر بالتعاون بين العرب واسرائيل او بالتحديد بين السواعد والعضلات والأموال العربية وبين التكنولوجيا والمعارف والمواهب التقنية الصهيونية. مخططات غوش امونيم لكن الصحيح ايضا كما يؤكد الباحث الاسرائيلي «أفيشاي مرغاليت» ان بيريز كان وراء النشاط المحموم الذي مارسته حركة غوش امونيم الصهيونية المتعصبة (ومعناها كتلة المؤمنين) لانشاء شبكة المستوطنات الاستعمارية الاسرائيلية في وادي الأردن، ويعددها الباحث المذكور على الوجه التالي: ـ بيت ايل (3600 مستوطن) واوفسرا(1800 مستوطن) وشيلو (1500 مستوطن) وايلى (1500 مستوطن) وايلون موريه (1500 مستوطن)، وكانت بيت ايل ـ باكورة تلك المستوطنات هي التي لقيت العون السخي لدى انشائها في عام 1979 من جانب شيمون بيريز الذي كان ايامها وزيرا للدفاع في اول حكومة شكلها اسحق رابين رئيس وزراء اسرائيل الاسبق. يلفت انظارنا في هذا السياق بالذات الملمح الذي اشار اليه افيشاي مرغاليت (في دراسته المهمة التي نشرتها مجلة «نيويورك ريفيو اوفابوكس»، عدد 20 سبتمبر 2001) ويمكن تلخيصه فيما يلي: ان هذه الشبكة من المستوطنات الاستعمارية الصهيونية جاء انشاؤها في تلك الفترة بالذات لاحياء الامل او انعاش التطلعات ومعاودة بث النشاط في الكيان الصهيوني بعد سنوات قلائل من حرب اكتوبر ـ عام 1973، جاءت مستوطنات غوش امونيم ـ كما يؤكد الباحث الاسرائيلي بمثابة مشروع للامل لتبديد روح الكآبة والاحباط التي تفشت في المجتمع الاسرائيلي بعد ان عصفت باوصاله حرب 1973 (نص كلمات الكاتب الاسرائيلية) ومن الناحية السياسية جاءت تلك المستوطنات عملا من اعمال التحدي ضد مشروع ايغال آلون الذي كان قد نادى به في عام 1967 داعيا الى عدم انشاء مستوطنات (مستعمرات) صهيونية في مناطق الضفة الغربية التي تقطنها اغلبية كثيفة من السكان العرب ولاسيما حول مدينة نابلس التي كان عدد سكانها يقارب 100 ألف نسمة وقد تضاعفوا حاليا الى 200 ألف نسمة وكان الهدف من مشروع ودعوة آلون حينه هو اتاحة سبل التنازل او التخلي عن هذه المناطق للفلسطينيين في اي اتفاقات تبرم مستقبلا لكن الامر اصبح مختلفا بالنسبة للكتلة المتعصبة عسكريا وعقيديا (حتى لا نقول دينيا فالدين الحق لا يعرف العرقية ولا التعصب) ويصدق هذا مع كتلة غوش امونيم بالذات التي يرى مستوطنوها ان كل هذه المناطق هي ارض «اسرائيل الكبرى» او انها على نحو ما ينقله مرغاليت نفسه «وقف اسرائيلي» غير قابل للتفاوض.. الى الابد. وفيما عمد مستوطنو غوش امونيم الى مزيد من الاستفزاز حين اقاموا مستوطناتهم الاستعمارية العدوانية على مقربة من القرى والبلدات العربية فقد كانوا في هذا يستندون الى حلفاء ومؤيدين من داخل المؤسسة الحاكمة نفسها. حلفاء من الحمائم ومن عجب ان لم يقتصر حلفاؤهم كما يشير «افيشاي مرغاليت» على غلاة الصهاينة الحاكمين من امثال مناحيم بيجين او اسحق شامير، بل تعدى الامر ويا للعجب الى ان كان من حلفائهم شيمون بيريز وموشيه دايان اللذان اضفى عليهما ساسة عرب (وخاصة ايام انور السادات) صفات التساهل والرغبة في التسوية، ناهيك عن نوازع الشرق اوسطى وسلوك الحمائم المهذبة المقلمة الاظافر الى حد رغبة التوق الى السلام. ان هؤلاء الساسة ـ الحمائم كان لديهم اجندة خاصة بهم تدفعهم الى رغبة القضاء على مشاريع ايغال آلون في حمى المنافسة السياسة التي كانت مندلعة في ربع القرن الماضي بين حكام اسرائيل وكان في مقدمة مشاريع آلون الدعوة الى الاحتفاظ بسيطرة على كامل الضفة الغربية تكون مشتركة بين اسرائيل والمملكة الاردنية. وفيما ظلت حكومات اسرائيلية متعاقبة تعمد الى ذر سحابات من رماد النفاق في عيون العالم والمنظمات الدولية بدعوى ان المستوطنين هم قوم خارجون على النظام وانهم مجرد عناصر متعصبة دينيا ويجري العمل على تحجيمها فالحقيقة كما تكشف عنها الدراسة التي بين ايدينا وقت كتابة هذه السطور ـ وهي دراسة اسرائيلية كما نحرص على الايضاح ـ تؤكد ان الحكومات الاسرائيلية كانت ضالعة في عملية مؤامرة هذا المخطط الاستيطاني العنصري الاستعماري منذ المراحل الاولى، يوضح «افيشاي مرغاليت» ان حكومة اسرائيل عمدت في عام 1977 الى حيلة قانونية تتيح لها الاستيلاء على الاراضي اللازمة لاقامة المستوطنات الصهيونية فوق ساحتها فكان ان نفضت الغبار عن قانون صدر في العهد.. العثماني (!) وبالتحديد في عام 1855 (!) وكان يتيح وقتها «منذ 132 سنة» للحاكم العسكري «التركي طبعا» ان يعلن ان هذه الرقعة من الارض او تلك هي «اراضي دولة» وبعدها يكون اصحاب تلك الاراضي ملزمين بتقديم المستندات والسندات التي تفيد بأنهم المالكون الشرعيون.. الاصوليون لتلك الاراضي تأمل العدالة العثمانية او الاسرائيلية سيان! فاذا عجزوا عن ذلك، تؤول الارض ـ بالتبعية ـ الى حوزة الدولة وكل ذلك بالعدل والحق.. وسيادة القانون!.. ولما كان نحو 30 في المئة من اراضي الضفة الغربية هو المسجل حسب الاصول.. ولما كان نحو 70 في المئة منها متوارث ومستقر الملكية حسب العادة والعرف وصحة النفاذ كما يقول التعبير القانوني الشهير فقد توافر لاسرائيل حيلة أو صنيعة أو ذريعة «قانونية» لتوسيع رقعة مساحتها 140 الف فدان كانت معلنة كاراضي دولة ايام السلطة الاردنية، فعمدت اسرائيل الى توسيعها لتصبح نحو 600 الف فدان بحلول عام 1993 ـ وهو ما يقارب نصف مساحة الضفة الغربية بأكملها، ولان افيشاي مرغاليت مؤرخ اكاديمي فهو يعلن عن هذه الاجراءات الخارجة عن كل عرف وعدل وقانون في سطور بليغة يقول فيها: ـ هذا الاجراء «الاسرائيلي» الذي قام على اساس مصادرة مساحات من الاراضي لتصبح ملكا للدولة ولصالح اقامة مستوطنات، لم يكن بعيدا عما كانت تمارسه حكومات بريطانيا القديمة من أساليب اغلاق مساحات من الارض بدعوى استخدامها للصالح العام.. وهذا الاجراء القديم هو الذي ايقظ مفكرا انجليزيا هو السير «توماس مور» من السبات الاخلاقي ودفعه الى تأليف كتابه الشهير باسم «اليوتوبيا». اعدام توماس مور والمعنى الذي يقصده الاكاديمي الاسرائيلي هو ان ما تمارسه اسرائيل ـ الحكومة والمستوطنون ـ امر يخالف الاعراف الانسانية والقوانين المحلية والدولية وشرعة العدل وحقوق الانسان.. والذي لم يقله ايضا هو ان توماس مور «1478 ـ 1535» دفع حياته ثمنا لدعوات العدل التي نادى بها في كتابه «اليوتوبيا» اذ اصدر عليه ملك انجلترا هنري الثامن حكما بالاعدام. والى جانب هذاالحكم بالادانة الذي يصدره استاذ التاريخ الاسرائيلي على مشروعية المستوطنات الاسرائيلية فهو يحيل ايضا الى عدم مشروعيتها حسب القانون الدولي موضحا انها غير مشروعة في رأي جميع اعضاء منظمة الامم المتحدة ما عدا عضو واحد هو.. اسرائيل الذي يرى فقهاء القانون الدولي انها مازالت تنتهك المادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 التي تنص على الآتي: ـ لا يجوز للسلطة المحتلة «القائمة بالاحتلال» ان تجلب او تنقل قطاعات من السكان التابعين لتلك السلطة ليقيموا في الارض التي تحتلها. انكار صفة الاحتلال من ناحية اخرى تتبع اسرائيل منطقا مستقرا في الجدل القانوني حيث تدفع بأن اراضي الضفة والقطاع لا يصدق عليها وصف محتلة لانه تم الاستيلاء عليها من الاردن «الضفة» ومن مصر «غزة» ولم يكن حكمهما في المنطقتين قد نال الاعتراف بالسيادة عليهما من الناحية الدولية باعتبار ان مصطلح الاحتلال لا يطبق إلا على اراض تكون تابعة قبل احتلالها الى دولة ذات سيادة. والمنطق الاسرائيلي متهافت كما ترى.. وهو يصدر امعاناً في الاستفزاز عن المقولة التي سبق الى ترويجها مناحيم بيجين حين قال ان قرار مجلس الامن الشهير رقم 242 الصادر في نوفمبر من عام 1967 لا ينطبق على الوضع القائم في الارض المحتلة، وذلك لان ديباجة القرار تقول بأنه لا يجوز الاستيلاء على اراضي الغير بالقوة فيما كان بيجين يدعي ان اسرائيل استولت على الاراضي العربية بحكم الدفاع عن النفس ومن ثم يمكن توسيع أو تمديد او «مطّ» هذا المنطق ليقول بجواز استمرار احتلالها لتلك الاراضي «الضفة والقطاع والجولان السوري» لتلبية ضرورات امن اسرائيل. قضية موارد المياه ثم يلفت الباحث «افيشاي مرغاليت» الاهتمام الى قضية جوهرية كما يقول انها غالبا ما لا تلقى الاهتمام الواجب رغم مركزيتها بصدد الحديث عن المستوطنات الصهيونية وهي قضية المياه التي يعاني الشرق الاوسط من شحتها الى درجة الندرة في بعض الاحيان. ان ربع امدادات اسرائيل من المياه يأتي من الخزانات الجبلية الطبيعية وهي سلسلة تمتد مسافة 140 كيلومترا من جبل الكرمل شمالا الى صحراء النقب جنوبا، ومن وادي الاردن الى شواطيء البحر المتوسط هذه المنظومة الطبيعية مقسمة الى ثلاثة نظم فرعية تشكل مصدرا للمياه التي يستخدمها فلسطينيو الضفة الغربية ومع ذلك فالحاصل ان المستوطنين الصهاينة وهم يشكلون نحو 10 في المئة من سكان الضفة يستهلكون نسبة 37 في المئة من مياه الضفة مما يترك نسبة 63 في المئة فقط لاستهلاك نحو مليوني نسمة من ابناء الشعب الفلسطيني والحالة في قطاع غزة اسوأ من ذلك حيث تبلغ نسبة المياه الذي يحظى بها المستوطن الاسرائيلي الى المياه التي تبقى للمواطن الفلسطيني 7 الى واحد.. ولهم الله ابناء هذا الشعب الفلسطيني ولهم الله ايضا فقهاء القانون الدولي الذين مازالوا يؤكدون في كتاباتهم ان «توزيع الموارد المائية ينبغي ان يتم بصورة منصفة ومعقولة». مطامع شارون ولا توجد حلول حتى الآن لمشكلة الاستيطان الصهيوني في الارض المحتلة.. تلك منشآت تصدر عن منطق الاستعمار والعنصرية واستغلال موارد الغير وجاءت لتزيد الامر تعقيدا لاسيما وان منها ما اختلط بمنطق التعصب العقيدي المستند الى ما يحفل به الادب الصهيوني السياسي من وعود يسمونها إلهية وحقوق مدعاة يسمونها تاريخية. ولقد بلغ الامر الحد الذي بات فيه الحل متمثلا في انشاء سور اشبه بسور برلين او هو الجدار الحديدي الذي كان يدعو اليه فلاديمير جابوتنسكي الجد الاعلى للارهاب الصهيوني المعاصر ـ سور او حائط يفصل بين الفلسطينيين والاسرائيليين الصهاينة. وهذا الحل من شأنه كما يحذر افيشاي مرغاليت ان يضع الضفة الغربية تحت الحصار ويزيد من عنف المقاومة الفلسطينية. واذا كان الحل ـ في رأي مرغاليت ـ هو المبادرة إلى التسوية بانشاء دولة فلسطينية على اسس السلام. وايجاد حل «محترم» كما يسميه لقضية المستوطنين يقوم على اساس نقلها إلى داخل اسرائيل ذاتها. فإن الباحث المذكور يكاد يشكك في امكانية اي حلول معقولة في ظل هيمنة شارون الراهنة على مقاليد الامور في اسرائيل. كيف لا وقد كان شارون قبل اي فرد آخر هو المحرك الاساسي لاقامة المستوطنات الحالية حين كان وزيرا مسئولا عن الاراضي المحتلة في حكومتي بيجين وشامير. كيف لا وقد انصبت احاديث شارون على اعطاء نسبة 42 في المئة من اراضي الضفة الغربية للفلسطينيين! مع ترك باقي مساحتها 58 في المئة لاسرائيل مما يمثل كما يؤكد افيشاي مرغاليت توسعا هائلا لرقعة اسرائيل؟!. ـ كاتب سياسي من مصر