شأن كل الأزمات الكبرى بدت أزمة التفجيرات التي شهدتها الولايات المتحدة الأمريكية كما وصف الرسول صلى الله عليه وسلم «فتنة يصبح الحليم فيها حيران»، والمشهد العربي بعد هذه الأزمة يشبه إلى حد كبير المشهد الذي تلا غزو العراق للكويت. فقد راهن كثيرون بعد الغزو على تغييرات إيجابية تتحقق من الربط بين تحرير الكويت وحل المشكلة الفلسطينية، والمفارقة أن الحدثين ترافقا مع انتفاضة فلسطينية ممتدة وضعت الكيان الصهيوني في وضع شديد الحرج داخليا وخارجيا. وقد أدى الغزو وتداعياته إلى وقف الانتفاضة وجر النظام الرسمي العربي إلى أول مفاوضات مباشرة مع الكيان الصهيوني مدريد 1992. وبالمثل راهن كثيرون على احتمال أن تؤدي التفجيرات إلى دفع الولايات المتحدة إلى إعادة النظر في سياساتها المنحازة للكيان الصهيوني، هو موقف يغفل أن العلاقات بين الطرفين تتجاوز مجرد الانحياز، وعبر خمسين عاما أثبتت التجربة أن الكيان الصهيوني يمثل مرتكزا أساسيا من مرتكزات السياسة الخارجية الأمريكية وبخاصة في منطقتنا. إذا كانت التغيرات الدرامية التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفيتي، وهي تغيرات راهن كثيرون أيضا على أنها ستؤدي إلى تقليل درجة اعتماد الولايات المتحدة على الكيان الصهيوني، لم تؤد إلى هذه النتيجة بل أعقبتها اتفاقات تعاون استراتيجي بين الطرفين لم توقع منذ نشأة الكيان الصهيوني،فإن المراهنة على «منطق الصدمة» أو التغيرات الدرامية يصبح في حاجة إلى وقفة للتقييم الهادئ. وأول النتائج الملموسة المترتبة على الأحداث التي شهدتها الولايات المتحدة تراجع الاهتمام الدولي بما يحدث في الأرض المحتلة وتحول التركيز إلى الانفجارات وتداعياتها. كما أن التوقعات التي راهن عليها البعض هي نتاج منطق تحليلنا بينما الأحداث تمت معالجتها في الغرب وفق منطق مختلف تماما. فبعد قليل من اضطرار الولايات المتحدة والكيان الصهيوني على الانسحاب من المؤتمر الدولي لمناهضة العنصرية ديربان 2001 بسبب فشلهما في إحراز انتصار حاسم. وبعد أن بدت في الأفق ـ لأول مرة منذ نشأة الكيان الصهيوني ـ ملامح موقف أوروبي أقل انحيازا للكيان الصهيوني محاكمة شارون في بلجيكا ـ الموقف من منتجات المستوطنات ـ زيارة وفد الجماعات المناهضة للعولمة للأرض المحتلة جاءت الانفجارات لتمنح اللوبي الصهيوني فرصة ذهبية لم يضيعها للإساءة إلى كل ما هو عربي ومسلم ووصم الإسلام بقائمة من التهم الظالمة تشكل صورة نمطية طالما سعينا لتغييرها. وقد بدأ الكيان الصهيوني يحصد ثمار سياسة تبناها منذ عقدين هي تصوير نفسه في صورة الدولة المتحضرة التي يحيط بها بحر من الأعداء الإرهابيين، ولأول مرة منذ أن تبنى هذا الخطاب يجد فرصة لإشعار المواطن الأمريكي أن عدوهما واحد وأن المستوطن الصهيوني خط الدفاع الأول ضد الإرهاب. وفي هذا الإطار يمكن فهم موقف التنظيمات الفلسطينية التي بادرت إلى إعلان أنها لا صلة لها بما حدث، وفي الإطار نفسه يمكن فهم سلوك الكيان الصهيوني الذي بادر إلى إرسال طواقم إعلامية من الجيش الصهيوني تصور مشاعر فرح عفوية دفعت إليها مرارات متراكمة من الدعم الأمريكي المستمر للكيان الصهيوني. لكن المشاعر في عفويتها شئ و القرار السياسي الحكيم شئ آخر، إذ ينبغي أن يبنى على حسابات الواقع وتبصر عواقب الأمور. وكلما شعر الغرب أن المنطقة العربية تمثل مصدرا لتهديد أمنه ازداد انحيازا للكيان الصهيوني وشعر بأهميته كدرع في مواجهة خطر الإرهاب العربي الإسلامي. وحدوث تغيرات في الموقف الأمريكي من الصراع العربي الصهيوني وارد ـ كفرض نظري ـ لكن الأرجح أن يشهد الموقف من الظاهرة الحضارية الإسلامية «الإسلام ـ المسلمون ـ العرب» تغيرا سلبيا كبيرا بدأت شواهد تتحقق في عمليات عدوانية تجتاح دول التشكيل الحضاري الغربي من الولايات المتحدة حتى استراليا، وللظاهرة تأثيرات ملموسة في أمريكا الجنوبية وإفريقيا، حساب الخسائر لم ينته بعد. أما احتمال أن تشهد العلاقات الأمريكية الإسرائيلية مزيدا من التقارب فهو احتمال يبدو أقرب إلى التحقق. وإذا كان ثمة احتمال لحدوث تغير في الموقف الأمريكي من الصراع العربي الصهيوني فسيكون في شكل انكفاء أمريكي على الذات وتقليص للدور الأمريكي على الساحة الدولية، وإن حدث فسيكون معياره الأول بقاء المصالح الأمريكية في الخارج، بمعناها الواسع،آمنة وهو موقف ليس مرشحا لأن يتبلور إلا على المدى البعيد. ومن المؤكد أن السنوات القادمة ستحتل قضية مواجهة «الإرهاب» فيها موقعا مهما على جدول أعمال السياسة الدولية، والولايات المتحدة التي تتبنى تصورا للإرهاب تصدر على أساسه قائمة بالمنظمات التي تعتبرها إرهابية والدول التي تعتبرها راعية للإرهاب ستسعى إلى فرض مفهومها الذي لا يفرق بين منظمة «الألوية الحمراء» وحزب الله. وبمثل ما أدت الأحداث الأخيرة إلى ظهور موقف معاد للإسلام والمسلمين في الغرب أدت إلى ظهور مشاعر كراهية في مختلف أنحاء العالم الإسلامي، فخرجت مظاهرات معادية للولايات المتحدة الأمريكية بعضها هتف لابن لادن،والأهم أنها أدت إلى تبلور موقف فقهي يحرم التعاون مع الولايات المتحدة في الاعتداء على بلد مسلم بسبب فعل منسوب إلى أشخاص أو جماعات فيها دون دليل. ولا شك في أن المواقف العربية الرسمية قد تأثرت بدرجات متفاوتة بهذا الموقف الفقهي الذي تبنته مؤسسات إفتاء رسمية عربية كان في مقدمتها الأزهر الشريف. وهذا الحضور الديني الملموس على ساحة السياسة ليس مقصورا على الجانب العربي، فبعض التصريحات الأمريكية حول الحرب الدائرة حول الارهاب عززت لدى الكثيرين هاجس أن الانتقام من طالبان أو ابن لادن مجرد واجهة لعمل عدائي ذي دوافع دينية واستراتيجية بعيدة المدى، وما تردد عن احتمال استهداف العراق أو لبنان يسكب مزيدا من الوقود على نار هي بالفعل مشتعلة. والإلحاح على نفي البعد الديني جاء بأثر عكسي في الشارع العربي الذي تعتمل فيه عوامل غضب تتزايد منذ عام هو عمر الانتفاضة التي فجرها الاعتداء على المسجد الأقصى وعرفت في الإعلام العربي باسم انتفاضة الأقصى. وقد كانت الانتفاضة التي تشير دلائل قوية إلى أنها ستكون مستهدفة خلال الأيام القليلة القادمة بجهود ضخمة لوقفها، كانت بوصفها فعلا شعبيا ممتدا لا يصل إلى حالة الحرب النظامية الشاملة، ولكونها داخل أرض محتلة حتى بمعايير القانون الدولي، أكثر قدرة على تحقيق نتائج إيجابية في مسار الصراع العربي الصهيوني، داخليا وخارجيا على السواء، من عمل كالتفجيرات التي شهدتها نيويورك وواشنطن. وبالضرورة سيكون على الجاليات العربية التي لعبت دورا إيجابيا في خدمة الحقوق الفلسطينية في الغرب أن تنشغل لفترة، لا يعلم إلا الله إلى متى تمتد، بالدفاع عن وجودها وحقوقها، لتتراجع القضية الفلسطينية من واجهة المشهد مختفية وراء دخان الحريق الذي لف سماء المشهد السياسي بالضبط كما لف سماء نيويورك وواشنطن. ـ كاتب مصري