يبدو أن خبرتي بالسياسة الدولية قديمة، ومعرفتي بالأوضاع الدولية توقفت عند الستينيات، ومن واجبي أن أعترف لكم بأن السياسة الأمريكية أكثر معرفة بأوضاع العالم أكثر من العبد لله. لقد أبديت تخوفي في العدد السابق من نشوب حرب عالمية إذا نزلت القوات الأمريكية أفغانستان، وتساءلت هل تقف روسيا مكتوفة الأيدي والقوات الأمريكية على مرمى حجر من الجمهوريات الاسلامية التي كانت جزءا من الاتحاد السوفييتي السابق؟ وبعضها يوجد على أرضه قواعد عسكرية لروسيا. وتساءلت أيضا هل تقف الصين هادئة والجيش الأمريكي يجول ويصول على مقربة من حدودها؟ ولكن الذي حدث بالفعل أن القوات الأمريكية نزلت بالفعل في القواعد العسكرية الروسية وبمباركة روسيا نفسها، والصين رضخت ورضيت. هذا إذن عصر جديد تجلس فيه أمريكا على عرش العالم بينما يبدي الجميع خضوعهم وخنوعهم للملك الجديد.. إذا عطس قال له الجميع يرحمكم الله. وإذا أشار لأحدهم قال له الجميع. أمرك يا سيدي يا سيدي! يبدو أن هذا هو حقيقة الوضع الراهن على كوكب الأرض. ويبدو أن روسيا اقتنعت فعلا بأن وزنها في الميزان الدولي لا يزيد عن وزن سيراليون. ويبدو أن الصين اقتنعت بأن قامتها في المجال الدولي لا يرتفع أكثر من قامة الفلبين. وليس أمام الدول الغلبانة إلا أن ترفع الراية البيضاء، وعليها أن تمشي في الركب وراء أمريكا بدون مناقشة، فملك الكرة الأرضية الجديد لا يقبل المناقشة ولا يرتاح للمناكفة. ويبدو أن هذه الحملة ضد الارهاب هي في الحقيقة حملة ضد الدول العاصية، وكل من يعلن العصيان وكل من يرفض الوقوف في الصف سيظهر اسمه في كشف الارهاب، وسيضرب ضرب غرائب الإبل، ضرب لم يأكله حرامي في مولد. ربما دولة واحدة ستمارس الشغب والعصيان وهي اسرائيل، باعتبارها حبيبة أمها. وقد بدأ شارون يمارس شقاوته، فيأمر وزير خارجيته بتأجيل لقائه مع عرفات أربع مرات، ضاربا عرض الحائط بنصائح ملك الكرة الأرضية. مستمرا في تنفيذ سياسته الخاصة باقتحام مناطق السلطة الفلسطينية وهدم البنية التحتية ونسف مقرات الشرطة وقتل أفرادها دون أي خوف حتى من لفت نظرها أو كلمة عتاب لها. هذه بالتأكيد ليست حملة ضد الارهاب، ولكنها حملة لتثبيت قواعد النظام الجديد، وللاحتفال بجلوس الملك الجديد على عرشه، خصوصا وقد خلت الساحة من المزاحمين والمنافسين. وكان ضرب يوغسلافيا خطوة مقصودة لتحجيم روسيا، وقد تحقق الهدف عندما شربت روسيا كأس العلقم ولم تحرك ساكنا. وانتهى الأمر باستسلام الرئيس بوتين واعلانه شخصيا بأنه لا يمانع في اقتسام النفوذ مع أمريكا في جمهوريات داغستان وطاجيكستان وغيرها من جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق، والآن وقد سكتت وخضعت الدول الكبرى لرغبات ونزوات الملك الجديد. هل هناك من يجرؤ على رفض اللقاء بالحملة الأمريكية ضد الارهاب؟ الحق أقول ان العاقل والرشيد هو الذي ينأى بنفسه عن الوقوف في وجه العاصفة، وموقف الرئيس الباكستاني موقف حكيم وحريص على مصلحة بلاده، لقد طار رئيس وزراء بريطانيا الى واشنطن منذ اللحظات الأولى عقب الأحداث ليعلن وقوفه الى جانب أمريكا، وسافر الرئيس الفرنسي الى هناك، ووصل بعده وزير الخارجية الصيني، وأعلن بوتين مباركته ورضاه. واذا كان هذا هو موقف الدول الكبرى، فما هو موقف الدول الغلبانة من هذه العاصفة التي لم يشهد لها العالم مثيلا من قبل؟ ما هو موقف بوروندي وأوغندا وزيمبابوي؟ ما هو موقف سيريلانكا وسيراليون وقبرص؟ هل هناك أي فرصة للمناقشة أو المعارضة؟ أغرب شئ أن عمدة نيويورك ألقى خطبة في يوم الاحتفال بذكرى الذين دفنوا تحت أنقاض مركز التجارة العالمي بدأها قائلا. أتحدث إليكم من نيويورك عاصمة العالم. وأقول لكم انه لم يكذب ولم يبالغ، فهي عاصمة العالم بالفعل. أما باريس فقد انزوت في الظل، ولندن اختفت وراء العاصمة الجديدة. وموسكو فقدت بريقها وأصبحت مثل استكهولم، وبكين اعلنت اعترافها بالعاصمة الجديدة، ويبقى بعد ذلك أن نتضرع الى الله أن يحمي بلادنا من المهالك، وأن يلهم قادتنا سلوك الطريق الصحيح. وأن يحفظ شعوبنا من خطر الارهاب ومن خطر الحملة ضد الارهاب. ولعنة الله على كل أصناف الارهاب، وعلى رأسها ارهاب اسرائيل ضد الشعب الفلسطيني.