حتى الآن يبدو ان الولايات المتحدة قد تصرفت بمقدار كبير من ضبط النفس في ردها على الهجمات التي استهدفت مركز التجارة العالمي ومبنى وزارة الدفاع «البنتاجون» في الحادي عشر من هذا الشهر، استجابة ربما لقلق العديد من حلفائها من القيام بعمل عسكري فوري وشامل من جهة وتخييبا لظنون اعدائها ممن توقعوا ان يكون الرد الامريكي سريعا ومتهوراً من جهة اخرى. لقد اعتمد الرئيس الامريكي جورج بوش استراتيجية للرد يبدو انها اخذت تتشكل مع مرور الوقت، وليس دفعة واحدة كما يبدو ان مجموعة المستشارين المحيطة بالرئيس الامريكي قد لعبت دورا في صياغتها. وتشمل هذه الاستراتيجية خليط من الاجراءات منها ما هو عسكري،ومنها ما هو اقتصادي وامني وقانوني وسياسي، ومنها ما ستقوم به الولايات المتحدة بمفردها، ومنها ما ستتركه لحلفائها او اصدقائها في الدول الاخرى. وقد حدد بوش في خطابه الذي القاه مساء الخميس الماضي امام مجلس الكونجرس في واشنطن الخطوط العريضة للرد الامريكي، او بالاحرى العقيدة الامريكية العسكرية والسياسية والامنية الجديدة. الاستراتيجية الجديدة يمكن ايجاز هذه الاستراتيجية في النقاط التالية التي وردت في الخطاب المذكور: 1 ـ فيما يتعلق بحركة طالبان قال الرئيس اللامريكي «اقفلوا على الفور وبشكل نهائي جميع معسكرات التدريب الارهابية في افغانستان وسلموا جميع الارهابيين وكل الاشخاص الذين يدعمونهم الى السلطات المختصة، سلموا الى السلطات الامريكية جميع قادة منظمة القاعدة المختبئين على ارضكم، ان هذه المطالب غير قابلة للتفاوض او المناقشة، اما ان تسلموا الارهابيين او ان تشاطروهم مصيرهم. 2 ـ ان حربنا على الارهاب تبدأ بتنظيم القاعدة لكنها لا تتوقف عنده. لن تنتهي إلا بعد ان يتم كشف وتوقيف وهزم كل مجموعة ارهابية قادرة على توجيه ضربة في اي مكان من العالم. 3 ـ ان ردنا لن يقتصر على مجرد عملية فورية وضربات متفرقة، على الامريكيين ألا يتوقعوا معركة واحدة بل حملة طويلة لم يسبق لها مثيل، قد تتضمن ضربات ضخمة ينقلها التلفزيون وعمليات سرية ستبقي سرية حتى في حالة نجاحها. سوف نقطع التمويل عن الارهابيين ونقسمهم على بعضهم البعض ونرغمهم على الفرار من مكان الى مكان الى ان يضيق بهم العالم فلا يعرفون ملاذا أو راحة!! 4 ـ سنطارد الدول التي تساعد الارهاب او تؤويه. على كل دولة في كل منطقة من العالم ان تحزم امرها الآن، اما ان تكونوا معنا او تكونوا مع الارهابيين، من الآن وصاعدا ستعتبر الولايات المتحدة كل دولة تواصل ايواء الارهاب او مساندته، دولة معادية. 5 ـ اصدقاؤنا المسلمون العديدون ليسوا اعداء امريكا. عدونا هو مجموعة متطرفة من الارهابيين وكل الحكومات التي تدعمها. 6 ـ هناك اثنتا عشرة ادارة ووكالة فيدرالية وكذلك اقليمية ومحلية سوف تشارك في مسئوليات ضمان امن الامة. وهذه الجهود بحاجة الى تنسيق على اعلى مستوى، ولهذا السبب أعلن عن انشاء منصب في الحكومة يكون تحت مسئوليتي المباشرة وهو مكتب الامن الداخلية. 7 ـ ان المعركة الحالية لا تقتصر على امريكا فهي معركة العالم بأسره، معركة الذين يؤمنون بالتقدم والتعددية والتسامح والحرية، وسنطلب من كل بلد الانضمام الينا، سنطلب مساعدة قوات الشرطة واجهزة الاستخبارات والانظمة المصرفية على صعيد العالم بأسره. تدمير بنية الارهاب هذه هي استراتيجية الرد الامريكي على ما حدث في نيويورك وواشنطن، وهي استراتيجية كما يبدو تستهدف تقويض بنية الارهاب كلية، وليس فقط اجراء عسكريا قد يوجه الى افغانستان او غيرها، واعتقد ان الاجراء العسكري وان كان هو الاوضح والاكثر صخبا في الايام الماضية، إلا ان الولايات المتحدة نجحت حتى الآن على الاقل في توظيفه ضمن استراتيجيتها الجديدة بمعنى انه قد يستخدم فعلا ضد بعض المناطق او البلدان لكنه قد يظل بمثابة السيف المسلط بغية الضغط والترهيب فحسب. وبالتوازي معه شرعت الاجهزة الامنية الامريكية في الداخل في تنفيذ حملة واسعة وشعواء من البحث والتحري والمراقبة «بما في ذلك التنصت» لعناصر تنشط في اطار عشرات وربما مئات المؤسسات الاسلامية المنتشرة في الولايات المتحدة، والتي يقول خبراء مكتب التحقيق الفيدرالي الى ان النشطاء الاسلاميين يتخذونها ستاراً لعملياتهم التي يدخل بعضها في اطار مساعدة العناصر التي نفذت الهجمات على نيويورك وواشنطن. ويقول احد المختصين الامريكيين في شئون الارهاب انه بهدف ابعاد الشكوك والاستفادة من حماية الحريات الشخصية تقوم هذه المجموعات بانشاء معاهد بحث او جمعيات خيرية او جميعات لحماية الحقوق المدنية، وان تنظيم القاعدة التابع للمنشق السعودي اسامة بن لادن يتحرك في الولايات المتحدة تحت غطاء شركات او جمعيات دينية في بروكلين «نيويورك» وأورلاندو «فلوريدا» ودالاس «تكساس» وسانتا كلارا «كاليفورنيا» وهرندون «فيرجينيا». وسيتم التشديد في اطار هذا الجانب على عمليات الدخول والخروج من الولايات المتحدة، بما في ذلك مسألة الهجرة واللجوء للولايات المتحدة والتحقق من الاوراق والوثائق الثبوتية وقد اعد مكتب التحقيقات الفيدرالي قائمة تضم 190 اسما لاشخاص مقيمين في الولايات المتحدة ويشتبه في تقديمهم مساعدة من نوع ما لمنفذي الاعتداءات. وهناك طائفة من القوانين والتشريعات الامريكية التي سيتم تعديلها كي تنسجم مع الاستراتيجية الامريكية الجديدة في مكافحة الارهاب. اما على الصعيد المالي فهناك توجه الى القيام بعملية ملاحقة ضخمة للحركة المصرفية داخل الولايات المتحدة وعبر العالم، وهدف الحملة ضبط عمليات جمع الاموال «من جمعيات او مؤسسات أو معاهد دينية داخل الولايات المتحدة» وتحديد طرق انتقالها «عبر مؤسسات مالية في بلدان وسيطة مثل بريطانيا وقبرص وجزيرة كايمان في الكاريبي وغيرها» واماكن وصولها في باكستان وافغانستان وبعض الدول العربية والاجنبية وبالعكس. وتزامنا مع هذه الحملة تقوم الاجهزة الامنية المختلفة في عدد كبير من دول العالم وخصوصا اوروبا بحملات مشابهة من مداهمات وتحقيقات، كما تقوم الاجهزة التشريعية باعادة النظر في القوانين التي تسمح بنشاط الجماعات الدينية وتمويلها وطرق جمعها للأموال، اضافة الى تشديد قوانين اللجوء ومنح تأشيرات الدخول. وفي هذا الصدد اتفق الاوروبيون على مشروع جديد ينص على ان من يتقدم بطلب للحصول على تأشيرة دخول لاي بلد اوروبي، حتى لمجرد الزيارة يحتاج الى موافقة الاجهزة الامنية في جميع الدول الاوروبية الخمسة عشر على طلبه، كشرط للحصول على التأشيرة. وفي دول مثل المانيا وبلجيكا وفرنسا والدانمارك فضلا عن بريطانيا، تمت حتى الآن عمليات واسعة استهدفت تعقب وضبط العناصر التي يشتبه بصلتها بالجماعات الارهابية كما اتفقت دول الاتحاد الاوروبي مؤخرا على تعريف موحد للارهاب واصدار قائمة تضم المجموعات الارهابية على غرار القائمة الامريكية. اما على الصعيد العربي فقد بدأت اليمن ومصر وبعض دول الخليج باتخاذ خطوات امنية لاعتقال ومراقبة نشاط الجماعات والافراد الذين يشك بعلاقتهم في تمويل او تقديم المساعدة لجماعة اسامة بن لادن وكانت الادارة الامريكية قد تقدمت بطلبات الى عشرات من دول العالم لاتخاذ اجراءات مماثلة. تجاوز الفخ ويبدو ان الولايات المتحدة لم تكتف بذلك وانما وسعت رقعة المواجهة كي تشمل الأمم المتحدة ومجلس الامن الذي اصدر في الايام الماضية قرارا يدعو حركة طالبان الى تسليم اسامة بن لادن ومن المؤمل ان يصدر قرارات اخرى في الفترات القادمة، بما في ذلك فرض عقوبات على الدول التي تؤوي الجماعات الارهابية. وابدت الادارة الامريكية في سعيها لبناء اوسع تحالف دولي ممكن استعدادها لتناسي خلافاتها وموقفها السابقة من دول مثل ايران وسوريا وغيرها، في مقابل دخول هذه الدول او على الاقل مساعدتها السياسية في الحملة ضد الارهاب. وباعتقادي ان الاجراء المهم والحكيم في هذا الصدد هو نجاح الادارة الامريكية والرئيس الامريكي جورج بوش شخصيا في التنبيه لمسألة التفريق بين الجماعات الارهابي وبين جمهور العرب والمسلمين سواء داخل امريكا او خارجها، وعدم السماح بتحويل المواجهة الحالية الى حرب بين الغرب من جهة والعرب والمسلمين من جهة اخرى، على نحو ما يدفع الى ذلك بعض المتطرفين في الوقت الحاضر. ففي الداخل تمكنت واشنطن من كبح موجة العداء في اوساط الامريكيين التي نشأت ضد العرب والمسلمين في اعقاب الهجمات، وكان للزيارات التي قام بها بوش وأركان حكومته للمراكز والمساجد الاسلامية، والتصريحات المطمئنة التي ادلوا بها والتي عبرت عن تأكيد مستمر بوحدة الشعب الامريكي بمسلميه ومسيحييه ويهوده في مواجهة الارهاب، كان لهذا كله اثر كبير في اعادة التوازن لنفوس العرب والمسلمين الامريكيين وتخلص المجتمع الامريكي من مطب كان سيقع فيه. اما خارج الولايات المتحدة فإن الحرص على اشراك دول عربية واسلامية في الجهد الامريكي الدولي وتشجيعها على اخذ زمام المبادرة، اكتسب منذ البداية اهمية حاسمة لنجاح جزء كبير ومهم من الحملة المناهضة للارهاب. وبمعنى آخر فإن ما بدا لاول وهلة انه مجرد عمل عسكري انتقامي تشنه الولايات المتحدة على عدو محدد او بلد بعينه، يتكشف اليوم عن استراتيجية واسعة لاسابق لها لمحاربة الارهاب على كافة الجبهات، وهي معركة من المرجح ان تكسبها واشنطن، أو على الاقل تحقق فيها نجاحا لا يستهان به، رغم العوائق والصعوبات الكبيرة التي سوف تعترض طريقها بالنظر الى حجم القوى الداعمة للارهاب، دولا وجماعات. ـ كاتب بحريني