أحدثت انتفاضة الأقصى الفلسطينية التي اندلعت أواخر سبتمبر من العام الماضي، وقعاً جديداً في حياة الشعب الفلسطيني، أثر على أنماط حياتهم وتفكيرهم والذي طال بدوره بنية العقل السياسي الذي تشكل منذ قرن ونيف، في غمار الصراع مع الحركة الصهيونية وأهدافها الاستيطانية، التي بدأت تتحقق بآليات وبوتائر متسارعة في بداية القرن العشري، ومع دولة اسرائيل التي تشكلت منذ أكثر من خمسين عاماً، وما حملته من أخطار جسام على وحدة هذا الشعب وهويته السياسية باعتبارها ظاهرة استيطانية اجلائية احلالية، حيث نجحت ولو نسبياً ـ اسرائيل ـ بعيداً عن الشعارات الفضفاضة التي يطلقها البعض الفلسطيني، في تفكيك جزئي للهوية الوطنية الفلسطينية، رغم وجود الحركة الوطنية الفلسطينية ومنظمة التحرير والحواضن الإقليمية التي سميت في وقت مضى بدول الطوق . بحيث بدأنا نشهد تقسيمات جغرافية قسرية عكست ظلالها القاتمة على مجموعة البشر الذين دمغوا فيها عنوة عنهم، حتى في إطار الجغرافية الواحدة، أي الجغرافية الفلسطينية، بحيث بدأنا نطلق على من تبقى متشبثاً في أرضه التي احتلت في عام 1948، تسميات ما أنزل الله بها من سلطان، أقلها عرب اسرائيل، أو فلسطينيو العام 48 وما إلى غير ذلك من التسميات الطارئة بفعل العامل الاحتلالي المسيطر والمهيمن، وفيما تبقى من جغرافية فلسطين، أي خارج الخط الأخضر، فالأمر حدث ولا حرج، بداية من سكان المناطق وانتهاء بتسميات المدن والقرى، حتى وكأننا نشهد مجموعة من القوميات والأمم البائدة، التي لا ترتبط برابط سوى بعلاقات حسن الجوار، لنصل بعد ذلك إلى ما يسمى بفلسطيني الضفة من جهة والقطاع من جهة أخرى بفضل وجود السلطة الفلسطينية التي دخلت بعد اتفاقات أوسلو إلى بعض المناطق والبقاع التي سميت بمناطق «أ» أما من قلع وقذف به خارج هذه البقعة الجغرافية، فتلك المأساة الحقيقية، فكل من سكن دولة، دمغ باسمها بداية بفلسطيني لبنان مروراً بفلسطيني سوريا والأردن والعراق ومصر، والعالم كل دمغ بالأنظمة وقوانينها النافذة التي أكسبته بشرة غير بشرته وغيرت في وعيه رغم الذاكرة الجمعية القوية التي غالبت الاندثار والتبديد . وبعيداً عن التوصيف الممل حيناً والمحزن أحياناً أخرى بقيت والحال هكذا بين أخذ ورد وزادت الأمور تعقيداً حتى وصل الأمر ليستقر في نهاية المطاف بتشكيل ثلاثة شعوب بعد خروج منظمة التحرير من بيروت في العام 1982، وأصبحت القسمة كالتالي: عرب اسرائيل، وتعدادهم يزيد على المليون فلسطيني وفلسطينيو العام 1967والذين يسمون بسكان المناطق حسب التسمية الإسرائيلية وحسب التسمية العربية والفلسطينية ذاتها سكان الضفة والقطاع، والذي يقارب عددهم ثلاثة ملايين ونيف، بالإضافة للاجئين الذين قدموا إليهم من وسط وشمال فلسطين، بالإضافة إلى اللاجئين الذين يشكلون ما يقارب أيضاً ثلاثة ملايين ونيف، والذين على ما يبدو بدؤوا يشكلون بنية شعب مشتت في أصقاع الدنيا، ولا يربطهم ببعضهم سوى الحس الوطني وأمل العودة، وبعض المؤسسات الدولية، مثل، وكالة وغوث تشغيل اللاجئين الفلسطينيين . وقد زاد بالأمر تعقيداً تشكل الخيارات المختلفة لدى كل كتلة من هذه الكتل الثلاث قياساً بالظروف والشروط القاسية التي تفرض نفسها قسراً أثرت على نمط التفكير والفهم لقضية الصراع وأدواته وشكله النهائي، وهنا لست بصدد دراسة تشريحية لهذه المعضلة بقدر ما كنت أود التوصل لحقيقة غاية في الأهمية لم يكن ليصل لها الشعب الفلسطيني أو الشعوب الثلاثة إذا شئت لولا انتفاضة الأقصى المباركة، ولعله من نافلة القول أن خمسين سنة أو ما يزيد من التخريب والقتل والتغييب المنظم الذي اشتركت به دول عظمى، قد تجاوزته هذه الانتفاضة بوقت قياسي بحيث أعادت الاعتبار من جديد لشعار وحدة الشعب وهويته الوطنية على أرضه وأعني هنا فلسطينيو 48، والتنبيه بذات الوقت إلى أن تجربة الهنود الحمر لن تتحقق في تمريرها على الشعب الفلسطيني باعتبارها التجربة النموذج التي مورست مع الشعب الفلسطيني منذ قرن ونيف، خاصة مع أولئك الذين بقوا ملتصقين بالأرض رغم كل الممارسات القسرية - الإجرائية بداية من مصادرة أراضيهم مروراً بالحكم العسكري الاحتلالي الذي دام قرابة ثلاثين عاماً وانتفاضة يوم الأرض في مارس 1976 وانتهاء بانتفاضة الأقصى التي جاءت بخلاف تداعيات وتأثيرات الانتفاضة الشعبية التي انطلقت أواخر عام 1987بحيث جاءت انتفاضة الأقصى لتؤكد على مدى التمسك بوحدة الشعب ووحدة الأرض والعقيدة انطلاقاً من وحدة الإرادة والهدف: لدرجة أن هبة الأقصى أو انتفاضة الأقصى في أراضي العام 48 أو ما يسمى داخل الخط الأخضر . قد أعادت الاعتبار إلى حقيقة غاية في الأهمية بأنه لا يمكن «شراء» ولاء الفلسطينيين في تلك البقعة لإسرائيل رغم الحقوق الاقتصادية والاجتماعية عن طريق إعطاء حقوق متساوية لحقوق اليهود مهما اتسع تعريف المساواة في الحقوق بحيث أكدت كل استطلاعات الرأي التي أجرتها المؤسسات الإسرائيلية المذعورة من هذه الهبة التي تكاملت بفعالياتها مع انتفاضة الأقصى في الضفة والقطاع بأن الفلسطينيين سيواصلون الولاء للدولة الفلسطينية وليس لدولة الاحتلال الإسرائيلي، وهم يفعلون ذلك بوازع داخلي فهم يعتبرون أنفسهم جزءاً لا يتجزأ من الكيان القومي الفلسطيني، بل أكثر من ذلك هو ما أكدته لجنة المتابعة العليا للمواطنين العرب داخل أراضي العام 48 والتي دأبت وعلى مدار السنة التأكيد عن أن - انتفاضة الأقصى - أزالت الحدود بين المواطنين العرب وإخوانهم بالضفة الغربية وقطاع غزة باعتبار ذلك يؤكد على الانتماء للشعب الفلسطيني، وأكثر من ذلك أن ثمة قناعة قد تشكلت عند صانع السياسة الإسرائيلية بأن ما يجري من تكامل انتفاضي بين قطبي الرحى الفلسطينيين هي مقدمة حقيقية لإزالة تدريجية للخط الأخضر ومحواً للفوارق بين التجمعين الفلسطينيين اللذين يعيشان في وطنهما . وأن هذه المواطنة الإسرائيلية آخذة في فقدان مغزاها وقيمتها في نظر العرب، وأنهم بعد انتفاضة الأقصى أصبحوا على أتم الاستعداد لتبني وسائل الاحتجاج المستخدمة في مناطق السلطة وتجاوز القانون الإسرائيلي، ولعل هذه القناعة الإسرائيلية لما خلفته انتفاضة الأقصى . قد عبر عنها الشهيد محمد الحبيشي وهو من مواطني الأراضي العام 194، والذي يبلغ من العمر 48 عاماً وله زوجتان ورهط من الأبناء، والذي قام بعملية استشهادية في شمال فلسطين في بلدة نهاريا بذات الطريقة والدوافع التي قام بها استشهاديون من حركتي حماس والجهاد الإسلامي في الضفة والقطاع مع فارق السن المخيف والمذهل للإسرائيليين عن الشهيد الحبيشي بل والأكثر من ذلك فقد كان شخصية سياسية واجتماعية معروفة إذ كان مسئول جناح الحركة الإسلامية في بلدته أبو سنان . ولعل الأكثر لفتاً للنظر هو ما قاله مؤخراً النائب في الكنيست الإسرائيلي «عبد المالك دهامشة» «القائمة العربية الموحدة» لصحيفة معاريف الإسرائيلية 1692001 أنا مستعد لان أسقط شهيداً في سبيل الدفاع عن المسجد الأقصى والمقدسات الإسلامية في مواجهة من يسعى للمس بها . قد يكون كل ما تقدم يعتبر تأثراً عادياً بانتفاضة الأقصى قياساً بتأثر الطائفة الدرزية الفلسطينية فكل ما عملت عليه سلطات الاحتلال الإسرائيلي لصوغ خصوصية درزية ومحاولاتها الحثيثة التي بدأتها منذ اليوم الأول لاعلان دولة اسرائيل والتي نجحت بكل ما هدفت للوصول له في هذا الشأن حتى أنها منذ العام 1949 أي بعد سنة من قيام اسرائيل نجحت في تشكيل وحدة الاقليات والتي تتألف من 850 من الضباط والجنود 400 درزي و 200 بدوي و 100شركسي و 150 ضابطاً يهودياً وجندياً محترفاً . وما لحقه من إجراءات كثيرة وخطيرة حيال تقسيم من تبقى من الشعب الفلسطيني والذي انتج قانون التجنيد الإلزامي في 3 مايو 1956 لتجنيد الدروز في الجيش الإسرائيلي ورغم بعض الأصوات التي صدرت عن بعض الشخصيات الوطنية الدرزية إلا أن هذا القانون قد شرع العمل به بعد شهرين من إصدار القانون وبقيت كل الاحتجاجات مجرد ظواهر فردية كانت قد توضحت معالمها مع أواخر الخمسينيات حتى جاءت انتفاضة الأقصى المباركة لتعلن بأن الدروز، رغم كل الاجراءت الإسرائيلية باتجاه هذه الطائفة العربية التي اعتبرت بأنها تحمل الجنسية الدرزية بدلاً عن العربية والدين الدرزي بدلاً عن طائفة إسلامية كمحاولة لفصلها عن باقي الطوائف العربية . بأنها تنتمي إلى الشعب الفلسطيني أولاً وبأنها استطالة إلى أبناء الطائفة المتواجدين في لبنان وسوريا ولعل مؤتمر عمان للطائفة الدرزية الذي جمع دروز لبنان ودروز فلسطين . قد أسس لتوجه جديد في هذا الإطار أي أن رفض التجنيد الإجباري ما كان له أن يرى الحياة لولا انتفاضة الأقصى وما خلقته من ظروف وحدوية عميقة بين صفوف الشعب الفلسطيني بمعزل عن المذهب والدين والانتماء السياسي والأيديولوجي الضيق . وهنا لا بد من الاعتراف بعيداً عن الحساسيات بأنه لولا انتفاضة الأقصى وتأثيرها ليس على الفلسطينيين بل على المحيط الجغرافي العربي لما نجحت مثل هذه الخطوة الكبيرة والكبيرة جداً . أما فيما يخص قضية الفلسطينيين اللاجئين فقد بدأت هذه القضية رغم تعاظمها منذ النكسة تتعاظم أكثر فأكثر بفعل ما أحدثته انتفاضة الأقصى من تأثير على حياتهم باعتبارها اتسمت بانتفاضة الاستقلال وقيام الدولة الفلسطينية . حتى أننا لا نغالي القول إذا ما اعتبرنا أنها وحدت بين الرؤى والأهداف بين جموع مناطق الشتات والتشرد وأن حركة سياسة نشطة أعادت الاعتبار إلى ضرورة ترميم العلاقات والأواصر الاجتماعية والسياسية التي ضعفت بعض الشيء في مرحلة ماضية . وقد بدأت قضية العودة بعد أن كانت وهماً عند البعض أو ضرب من الخيال عند البعض الآخر أصبحت جزءاً من الواقعية السياسية الفلسطينية والعربية على حد سواء وعادت هذه القضية لتأخذ مكانها في سلم الأولويات السياسية الفلسطينية والعربية . وهذا الخطاب أو الهدف ما كان له ليحتقق لولا انتفاضة الأقصى وما حملته من متغيرات نوعية على كل ما كان يسمى بالقيم السياسية التي كانت قائمة فيما قبل اندلاع أحداثها . بموازاة ذلك ما كان ممكنا أن نشهد وحدة سياسية فلسطينية بين جموع القوى السياسية الفلسطينية المكونة للحركة الوطنية الفلسطينية لولا انتفاضة الأقصى خاصة وأن هذه القوى تعتبر بحد ذاتها تعبيرات متباعدة بل ومتصارعة إذا ما افترضنا جدلاً بأنها انعكاس حقيقي للواقع السياسي العربي المتشظي الذي لا يجمعه جامع ولا يربط بينه رابط . فقد وصلت الأمور في مرحلة سبقت انتفاضة الأقصى إلى حد التخوين الذي وصل إلى حد الاقتتال الغير معلن لتأتي انتفاضة الأقصى ولترسي شعاراً واحداً ومهماً وهو الحفاظ على الوحدة الوطنية ؛ رغم أن البعض دفع دماً وجهداً ومعتقلين لانجاح هذا الشعار الهدف . ومن اللافت أنه منذ العام 1948 لم تتوحد القوى الفلسطينية بكل أنواعها وأشكالها على موقف موحد واضح كما شهدته في ظل انتفاضة الأقصى التي فضت كل النوازع الفردية والارتهانية والولاءات الإقليمية والدولية . وأعادت الاعتبار إلى نقطة غاية في الأهمية توفير كل شروط نجاح وسبل دعم المقاومة لكنس الاحتلال دون قيد أو شرط من الأراضي الفلسطينية المحتلة وعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم التي طردوا منها أي أن الفلسطينيين وبظل انتفاضة الأقصى قد وحدوا شعارهم السياسي وحددوا الهدف، بعيداً عن التشتت والنوازع الفردية التنافسية بفعل الاملاءات الخارجية التي كانت لب المشكلة وعلة العلل . لكن السؤال الصعب هل سيحافظ الفلسطينيون على ما أنجزته انتفاضة الدم واللحم والحجر؟ أم أننا سنعود نبحث عن خياراتنا الفئوية الضيقة؟! ـ كاتب فلسطيني ـ دمشق