كان يوم الجمعة الماضي يوماً مقلقاَ للكويتيين جميعا، بعدما تناقلت الاخبار الوعكة الصحية التي ألمت بسمو الامير الشيخ جابر الاحمد الصباح وتنبه الجميع للمخاطر المحيطة بالكويت ووجفت القلوب ودمعت الاعين، فالرجل ليس مجرد حاكم للكويت، بل هو رمز البلاد ووالد الجميع الذي يربطه بمواطنيه عقد مودة واحترام قبل ان يكون عقد حاكم ومحكوم، و الرجل له من المناقب والمحامد ما يفوق العد والاحصاء، لقد نقلت الانباء اتصال سموه بالرئيس الامريكي جورج بوش الابن، بينما العالم كله يغلي من جراء العمل الارهابي الفظيع الذي استهدف الولايات المتحدة منذ اسبوعين، وكان محور الاتصال هو تقديم الشكر الى الرئيس بوش لزيارته مسجد واشنطن وحديثه الايجابي عن الاسلام حتى ينزع فتيل الغضب العارم الذي ساد المواطنين الامريكيين تجاه الاسلام والمسلمين . وعندما كانت الكويت في مهب العاصفة قبل احدى عشرة سنة وبينما كان الكويتيون جميعا تكتنفهم محنة الغزو العراقي فتشتت بعضهم في بقاع الارض، بينما بقيت الاكثرية تحت الحصار عرضة للنيران والبطش، وفي هذه الاثناء صلى سمو الامير ومرافقوه ـ وقد شرفت بأن كنت بينهم ـ في مسجد مدينة نيويورك وكان هذا المسجد قد افتتح لفوره بدعم جزيل من سموه ـ حفظه الله ـ وعندما تناقلت وكالات الانباء صوره وهو خاشع في صلاته وتهجده كان لممارسات الاسلام ذوق وشكل مختلفان في عيون العالم، اسلام متسامح يجمع في عباداته امام الخالق الاعظم بين الكبير والصغير دون تفرقة، فالكل امام الله سواء، وقتها كان سمو الامير يدعو الله ان يمن على الكويتيين بالتحرر من نير الغاصب المعتدي وان يحفظ الكويت الارض والوطن من كل سوء، وهو الامر الذي تحقق بفضل من الله الذي هيأ سبحانه ـ لهذه المهمة اجماعا دوليا واسعا . تذكرت دعاء سمو الامير للكويت في تلك اللحظات العصيبة منذ 11 سنة، وانا اسمع ألسنة الكويتيين وقلوبهم وهي تلهج بالدعاء للامير اثر وعكته الصحية، حيث الجميع خاشعون متضرعون الى الله ان يعيد الرجل الرمز مكللا بالشفاء والعافية ليقود سفينته في هذا البحر الذي تتلاطم امواجه العاتية في وقت حرج تسوده الاضطرابات السياسية على مستوى العالم كله . اذا جاز لنا ان نلحط الصفات التي لازمت سمو الامير الشيخ جابر الاحمد طوال حياته، وتمثل جوهر شخصيته فإنه يجيء في صدارتها الصدق والتسامح والتواضع والعمل الدؤوب من اجل المصلحة العامة لأبناء بلده وعالمه العربي والاسلامي، وهي اخلاقيات حث عليها الاسلام وتمسك بها جمهور المسلمين، واعتبرها العرب من شيم الرجال فضلا عن كونها مباديء دينية ـ فليس الأمير ـ كرجل دولة ـ سياسيا تقليديا يقدم المصلحة على المبدأ، ولكن الصراحة والصدق كانا دائما سلاحه في كل ما كلف نفسه به من عمل لأجل أمته، وهو رجل يعرف ان الكلام الكثير لا يعني إلا افعالا قليلة، فجاء كلامه قليلا، وان كان عقله كثير التفكير فيما يهم بلده وشعبه وامته، وهو ما اسبغ على مواقفه حكمة بالغة وشجاعة نادرة في ادق الازمات واحرجها، هو رجل يأنف من اتخاذ المداراة وسيلة للفعل السياسي، ويربأ بنفسه عن المراوغة التي يعدها البعض ضرورة سياسية، بل هو مستقيم الرأي كالسيف مع رجال الدولة سواء من بني وطنه، أو من العالم الخارجي .. وقد كان من حسن حظي انني كنت بين مرافقي سمو الامير في جولاته الكثيرة، إبان الاحتلال الغاشم على بلدنا حيث كان يشرح قضية الكويت للعالم، او بعد التحرير، حيث طاف شاكرا لاعضاء الاسرة الدولية الذين وقفوا مع حق الكويت وعدالة قضاياها . وقد اتاحت لي هذه المرافقة ان اطلع عن كثب على مناقب الرجل الكبير وسجاياه الاصيلة، ومنها انه ـ حفظه الله ـ يلتقي اعضاء الوفد المرافق كل صباح، يسمع منهم ويأنس لتعليقاتهم وملاحظاتهم، فكان تواضعه يلفت نظر المضيفين الرسميين وغير الرسميين، ويسترعي انتباههم واعجابهم، ولعل ابرز مثال على تسامحه هو موقفه الشخصي من هؤلاء الذين ارتكبوا جريمة الاعتداء على سموه، عامدين الى النيل منه ـ حفظه الله ـ في أواسط الثمانينيات . لقد عرف المنفذون وقبض عليهم وادانتهم المحكمة العادلة، ولكنه لم يكن قابلا بتنفيذ حكم صارم في حقهم، وقال وقتها، ان هؤلاء منفذون فقط، فهم ادوات لمن قرر المؤامرة وخطط لها، وبالفعل لم ينفذ الحكم الذي اصدرته المحكمة بالاعدام لمنفذي هذا الفعل القبيح . ويذهب تسامحه الانساني مذاهب شتى كثير منها لا يعرفه إلا الخاصة، ولكن ما عرف منه يكفي لان يقول شيئا مهما عما يكنه الشيخ جابر الاحمد من تعاطف مع الضعفاء والفقراء واهل الحاجة . كان العرب والمسلمون دائما في صدارة اهتمامه ورعايته شعوبا او افرادا ولعل من مؤشرات ذاك الاهتمام حرص سموه ـ حفظه الله ـ على ان يكون للعلماء العرب والمسلمين الحظ الاوفر والصدارة غير المسبوقة في جوائز مؤسسة الكويت للتقدم العلمي، وهو اهتمام بالعلم من جهة وبالمواطنين العرب والمسلمين من جهة اخرى، لا يعرف قدره غير اولئك الذين يقدرون العلم واهله، ويعرفون اهميته في تقدم الشعوب والدول .. لذلك كله فإن هناك كوكبة من هؤلاء يشق على انفسهم ان يسمعوا اخباراً عن وعكة سمو الامير، وانه في حالة صحية تستدعي العلاج، وتلهج السنتهم بالدعاء له، بجانب آلاف مؤلفة ممن عرفوا قدره وخبروا جوهره . يختلف الكويتيون في الكثير من اجتهادات الحياة واحوالها، وتتباين آراؤهم حول كثير من أمور الدنيا والمعاش، ولكنهم جميعا يتفقون على احترام وحب الشيخ جابر الاحمد، لانه راعي الكويت وباني نهضتها الحديثة، فقد تبنى الديمقراطية، في الوقت الذي شكك المنظرون في نتائجها، كما شكك المنفذون في قدراتها، ولكنه آمن بأن الشعوب الخائفة تنتج في نهاية المطاف مجتمعا متخلخلا غير قادر على مواجهة الصعاب، وتجلى رهانه الحقيقي في اكثر المواقف حرجا ودقة، وهو زمن الاحتلال العراقي للكويت قبل اكثر من عشر سنوات فقد سجلت كتب التاريخ في هذه الدنيا ـ على اتساعها وتعدد تجاربها ـ ان هناك من الشعوب من تعامل مع العدو المحتل، وخضع له وتخلى عن زعمائه . حدث هذا في الكثير من البلدان المتقدمة والنامية، على السواء بيد ان تجربة الكويت والديمقراطية وشعبها سجلت انه لم يوجد مواطن واحد تعاون مع المحتل، رغم صنوف الاغراء وبطش الاكراه، مما يدلل على ان رهان جابر الاحمد على الديمقراطية كان رهانا صائبا . فقد اثبتت التجربة ان الشعوب التي ترفع رأسها في وجود حاكمها تحترمه في الشدائد وتتجمع لحمايته ولا تتفرق من حوله . ومن مآثره انه التفت الى ان البناء الحقيقي انما يكون في الانسان قبل الجدران والمصانع على اهميتها، فصرف جانبا كبيرا من جهده في التعليم الذي يبدو اثره الآن في هذه النهضة الثقافية والعلمية التي تسود المجتمع الكويتي، الى جانب مشروعات عملاقة تصب في تطوير الدولة مثل تكوين رأسمال للاجيال القادمة، وبناء ادارة حديثة، جلبت للكويت المفخرة والريادة والسمعة الحسنة، ولان جابر الاحمد لم يكن يفكر لوطنه فقط، بل كان مهموما ايضا بقضايا عالمه العربي والاسلامي، بل والعالم الثالث قاطبة، الذي يجتاحه الفقر، ويعوق التنمية فيه الكثير من المشاكل، فكان سموه سباقا الى انشاء الصندوق الكويتي للتنمية الذي كان مشروعا انسانيا قبل ان يكون اقتصاديا، يتيح دعما واسعا لكثير من الدول النامية لدفع اقتصادها الى الامام . في الوقت الذي تطمئن فيه الكويت على صحة اميرها وترجو له العافية والسلامة، تتعلق الانظار باتجاه المخاطر المحيطة بالبيت الكويتي، في زمن تتعقد فيه الوسائل وتختلف فيه الظروف، وتتجمع في افق العالم عواصف ورعود غير معهودة من قبل، ويعرف اهل الاطلاع ان نجاة الكويت دائما في نهج اميرها الذي يعتصم دوما بالحكمة ويدير ما ينشأ من خلافات مواطنيه بالحسنى، ولا يثنيه شيء عن التثبت براية وطنه وصيانة سيادته . ... سمو الامير، اعادك الله الى وطنك ومواطنيك متوجا بالصحة ورافلا بثوب العافية، وابقاك الله قائدا للوطن ووالدا للجميع رحمة بالكويت وأهلها . ـ امين عام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ـ الكويت