منذ فترة من الزمن دخلت القوات الاسرائيلية منطقة بيت جالا الفلسطينية، ثم انسحبت منها بعد مساومات تحققت لها بفضلها بعض المكاسب، وفي التاسع من شهر اغسطس اعتقلت الوزير زياد ابو زياد ثم افرجت عنه. وعقب ذلك قامت بتطويق مدينة جنين وبقطع التيار الكهربائي عنها.. ثم دخلت مدينة اريحا وعاثت فيها فساداً قبل ان تغادرها، وفي السابع عشر من سبتمبر امر شارون القوات الاسرائيلية بالانسحاب من جميع اراضي السلطة الفلسطينية التي احتلها بعد انتفاضة الاقصى، وذلك لدى اعلان عرفات وقفا لاطلاق النار، قبل يوم واحد بمناسبة حلول السنة العبرية الجديدة، فماذا تعني هذه الامثلة؟ ان معناها بالحرف الواحد ان تخلي اسرائيل عن المناطق التي سلمتها للسلطة الفلسطينية، هو اجراء شكلي الى حد ما، ولا ينطوي على مغزى عملي او مضمون حقيقي كبير، وبذلك ربما يحق لنا القول بأن اسرائيل قد خدعت الفلسطينيين من خلال اتفاقيات اوسلو، ووضعتهم تحت التخدير لسنوات طويلة، ولو ان الانتفاضة الاولى تواصلت وظلت قائمة لفترة اطول، فلربما احرز هؤلاء نتائج افضل . ولكن المهم الآن ليس التحسر على ما فات، والبكاء على اطلال أوسلو ورفات الماضي بل ماذا يخبيء المستقبل للمنطقة من احتمالات واحداث وتطورات . ان في اسرائيل اليوم حكومة متشددة يرأسها الارهابي شارون، واذا كانت مفاوضاتكامب ديفيد مع باراك الذي يفترض ان يكون اكثر اعتدالا منه، بسبب انتمائه الى حزب العمل، لم تحقق اي نجاح، ولم تفلح في تلبية الحد الادنى من المطالب الفلسطينية فماذا تتوقع من حكومة ليكودية متعصبة يقف على رأسها متعنت متهم بجرائم حرب؟ نستنتج مما سبق ان الوضع السياسي في اسرائيل غير موات للوصول الى تسوية سلمية منصفة.. فهل هناك ابواب اخرى مفتوحة؟ لقد كان يبدو دائما ان الضغط الامريكي قد ينجح في نهاية المطاف في اقناع اسرائيل بالموافقة على سلام عادل، ولكن الرئيس السابق كلينتون كان قد وضع كامل ثقله الشخصي والسياسي في سبيل حل عقدة المعضلة الفلسطينية وابرام اتفاق، ولكنه كما نعلم جميعا، اخفق اخفاقا مريعا، ولم يصل الى شيء، فماذا اذن يمكن ان نتوقع من الرئيس الامريكي بوش الذي يظهر لا مبالاة غير مسبوقة فيما يجرى في الضفة الغربية؟ صحيح ان هناك تصريحات وتنديدات وبعض الضغوط الخفيفة على الطرفين، إلا ان هذه كلها لم تجد فتيلا او تسد رمقا، والسؤال المطروح الآن يتعلق بما اذا كانت الاحداث الجسام التي هزت واشنطن ونيويورك وطالت مركز التجارة العالمي والبنتاجون وغيرهما، ستدفع الرئيس بوش الى اعادة النظر في سياساته الشرق اوسطية، ونعود الآن الى تكرار النقطتين السابقتين، فنقول: اذا كان باراك الزعيم العمالي لم يستطع ان يقدم للعرب وللفلسطينيين شروطا معقولة للتسوية، فماذا يرجيء من شارون المجرم الليكودي؟ واذا كان كلينتون المتحمس لم يفلح في حلحلة القضية الفلسطينية بمقدار بوصة واحدة، فماذا تأمل من بوش اللامبالي؟ هل يمكن ان نستنتج اذن ان الكفاح المسلح وحده يشكل مفتاح الحل؟ ان هذا صحيحاً، ولكن الى حد ما، وعلينا ان نكون واقعيين وعقلانيين، وان ننبذ منطق الانفعال ، ونقول بشجاعة وصراحة ان الفلسطينيين يدفعون ثمنا باهظا جدا من جراء هذا الكفاح الذي يفرض عليهم مواجهة قوات ومقدرات تزيد كما ونوعاً عما يملكون بدرجة فائقة وبتعبير آخر، اذا كنا جميعا، ولاسيما بعد تجربة الجنوب اللبناني، نؤمن بأن السلاح يشكل وسيلة الضغط الرئيسية التي يمكن ان تلوي عنق اسرائيل وترغمها على الانصياع لحل عادل، فإن علينا ان نعترف ان الفلسطينيين، قد لا يستطيعون الصمود طويلا والاستمرار في حمل السلاح اذا دفعوا وحدهم ثمن ذلك . فهناك طوابير القتلى والجرحى والبيوت المهدمة وشبكات المياه والكهرباء والطرقات المقطوعة والحصار الاقتصادي وعدم الاستقرار، والاهم من ذلك كله، كما اسلفنا، عدم توافر اي نوع من التكافؤ او التوازن بين قوتين لا يمكن المقارنة بينهما بأي مقياس من المقاييس، نخلص من كل ذلك، الى ان الانتفاضة الفلسطينية، على الرغم من انها تشكل انجع السبل لاستعادة الحقوق، فإن تواصلها غير مضمون، بسبب عدم رفدها بما يكفي من الدعم المادي والعملي العربي، فالمعركة يجب ان تكون معركة الجميع وهي في الاساس ليست فلسطينية ـ اسرائيلية ـ وانما عربية ـ اسرائيلية . وللأسف فإن العرب يقدمون الدعم للانتفاضة، وكأنهم طرف ثالث يقدم ما تيّسر من الدعم المادي والسياسي للطرف الفلسطيني المغلوب على أمره . وهذا امر غير طبيعي، ولا يمكن للأمور ان تعود الى نصابها الطبيعي، وتتخذ شكلها الصحيح، إلا اذا انخرط العرب جميعهم، او على الاقل معظهم في المعركة وفي خندق واحد جنبا الى جنب مع الفلسطينيين، اي ان على الامة العربية ان تشكل طرفا واحدا مع الفلسطينيين، لا ان تكون طرفا ثالثا يقدم لهم المساعدات لمواجهة الطرف الاول، وهو اسرائيل . والسؤال الهام الذي يمكن ان تفرزه الطروحات السابقة، هو: اذا كانت المراهنة على الضغط الامريكي او استمرار الانتفاضة، أو التغير الداخلي في اسرائيل، غير مضمونة، فما الحل اذن؟ هناك اليوم من يدعو الى تحالف دولي يضم امريكا وأوروبا وروسيا، ويسعى الى حل المشكلة . ولكن للأسف الشديد فإن الجميع يتحدثون عن وقف اطلاق النار، بصورة رئيسية ويتهربون من النفاذ الى لب المشكلة . واعتقد ان السبب الرئيس لذلك هو شعور الجميع بأن قضية الشرق الاوسط هي كما قال كلينتون اصعب قضية في العالم، ومع ذلك فإننا نعتقد ان امريكا وحدها ربما تستطيع حلها اذا كانت مستعدة لدفع الثمن، والاصغاء الى قول العاهل الاردني للرئيس بوش بأن امريكا لو عمدت بالفعل الى تحقيق تسوية عادلة في الشرق الاوسط فلربما لم يحل بها ما حل من دمار لم تشهد مثيلا له خلال تاريخها الطويل، ونقصد بذلك الهجوم بالطائرات المخطوفة على واشنطن ونيويورك . ومع اننا نعارض كل عمل يودي بحياة الابرياء والمدنيين العزّل، فإننا لا نستطيع ان نكرر بأن الظلم والاستكبار هما اللذان يولدان الانفجار . فعلى الولايات المتحدة، اذن ان تعود الى رشدها وتصحح اخطاء الماضي حتى تستطيع ان تمنع تكرار ما حدث لها فالعدالة وحدها هي التي تثني المظلومين عن ركوب مراكب الانتقام . ـ كاتب سوري