دراسة امريكية نشروها مؤخرا اثبتت ان الاطفال الذين يولدون لآباء من الصم والبكم يأتون الى الحياة ـ سبحان الله ـ وهم مزودون بالقدرة على الثرثرة، كما تقول الدراسة، باستخدام لغة الأصابع كناية على استعداد هؤلاء الاطفال لتعلم لغة الاشارات التي يتفاهم بها آباؤهم وبفضلها يتخاطبون ويتواصلون. وقبل هذه الدراسة الامريكاني، كنا قد ألمحنا الى دراسة صاحبنا الطلياني واسمه اندريا دي جوريو التي نشرها في عام 1832 على شكل قاموس قام الاخ دي جوريو بتصنيفه من واقع متابعته الدقيقة لمواطنيه من ابناء مدينة نابولي وهم يستخدمون لغة الاشارات.. وبلاغة اوضاع الايدي وتشابك الاصابع.. لا لأنهم عاجزون عن الكلام من آفة البكم.. ولكن الاحرى لأنهم.. طلاينة نابولي ومن لف لفهم عاجزون عن الصمت من فرط الرغبة في الثرثرة والامعان في لغو الحديث. ولقد اشتهر عن اهل حوض البحر المتوسط انهم يستخدمون ايديهم ـ اصابعهم بخاصة بل واجسادهم بكل اعضائها وجوارحها بعامة من اجل ان يتكلموا او بالأدق يتواصلوا مع الآخرين. لعل الذي اطلق هذه النعوت على اهل المتوسط ومنهم يعاربة ميامين من اهل ربوع ما بين مصر المحروسة الى المغرب الاقصى ـ لعلهم الاصدقاء الانجليز المشهورون ـ كما لابد تعرف بحكاية البرود الى درجة الاستفزاز.. كيف لا وقد كان وزير خارجيتهم او حربيتهم ايام الاحتلال يوجه رسالة انذار مهددة بالويل والثبور وعظائم الامور الى رئيس الوزراء المصري سعد باشا او زيور باشا او النحاس باشا.. ويسهب الانذار البريطاني لتفاصيل الحديث عن البوارج التي تحركت والقوات البرية التي امتشقت السلاح والأرصدة المالية التي سيتم تجميدها في بنوك بريطانيا ـ ثم لا يتورع عن ان يختم الانذار بعبارة تستفز الحجر يقول فيها ما معناه. ـ وسأبقى ياعزيزي دولة الباشا.. خادمكم المطيع.. فلان! اما الامريكان فقد اضافوا في هذا المضمار الى قاموس الانجليزية المعاصر تعبيرهم الاثير عن «لغة الجسد» او «اللغة الجسمية» ويقصدون بها طبعا حركات جسم الانسان التي تكمل رسالته اللغوية ـ الاتصالية التي يخاطب بها حيث النظرة غير الايماءة.. وحيث التحديق غير التسبيل «بمعنى ارسال الرموش» وحيث الحملقة بخلاف غض الطرف.. وشتان بين فعل يلمح بشكل خاطف وفعل الرانيات بكل أحور فاتر يذر الخلى من القلوب عميدا على نحو ما قال شوقي امير الشعر الذي يبدو والله أعلم انه كان مولعا بالايقاع الجميل لفعل يرنو هذا فقد كرره ايضا في مفتتح نهج البردة حين قال: لما رنا حدثتني النفس قائلة ياويح جنبك بالسهم المصيب رمي وبمناسبة الشعر والشعراء، فقد كان بيرم التونسي، الشاعر الشعبي الكبير مولعا بما يمكن ان نسميه لغة الجمال بل وايضا لغة الايماءة وبلاغة الاشارة.. وليس صدفة ان يكتب بيرم انشودة ام كلثوم الجميلة من تلحين زكريا احمد التي يعرفها الناس باسم الورد جميل.. شوف الزهور واتعلم.. بين الحبايب تتكلم.. وعنوانها الرسمي في ارشيف اذاعة القاهرة هو «لغة الزهور».. وبيرم ايضا هو القائل في أغنية «حلم» لأم كلثوم وزكريا ايضا.. عيون وعيون تتكلم بسر القلب وتترجم ونعود الى العالم الايطالي الذي يصور لنا لغة الاشارة واوضاعها على وجه يقول مثلا: .. ان يوضع طرف اصبع الابهام «الانامل» فوق طرف الانف الامامي مع ابقاء راحة اليد مفتوحة ومتحركة يمينا ويسارا فهذا يفيد معنى الاستهانة والزراية واحيانا معنى اليأس والاحباط. .. ثم هناك وضع اسمه بالايطالية كيدير كوالشيه كوسا ومعناها ان يطلب المرء شيئاً ويعبر عنه اهل نابولي في الزمانات عندما يضمون اصابع اليد الخمس مع بعضها البعض وقد ارتفعت اناملها الى اعلى فيما يتم تحريك اليد على هذه الهيئة الوقور قرب وجه الشخص الذي نستعطيه.. لعله يعطينا ما نريد.. ولم يقل صاحب القاموس انه في حالة البخل وانكار العطاء يمكن ان نتحول الى الوضع الاول لننقل الى البخيل مزيجا من معنى الزراية والاستهانة وايضا اليأس والاحباط. ومع ذلك فحكاية ضم الاصابع الى اعلى والتلويح بقبضة اليد على هذه الهيئة تستخدم في ربوعنا ـ مصر مثلا لتفيد معنى الوعيد والتهديد وانتظار الاذى من صاحب الاشارة.. وقد يصاحبها عبارات من امثال: لك يوم قريب.. او من قبيل وراءك والزمن.. طويل».. .. وهناك ايضا الوضع «دانارو» ومعناه طبعا الدنانير او الاموال بصورة عامة.. ويبدو انه وضع عالمي لا يحتكره الاصدقاء الايطاليون ولو من اهل القرن التاسع عشر.. وهو ان توضع الدنانير بين اصبعي السبابة والابهام.. ولان النقود او صنف العملة لها لغة عالمية فقد ذكر علماء الانثربولوجيا كيف دخل المبشرون الى قبيلة بدائية كانت تعيش في احراش كندا المنسية.. وحين صادفهم اهل القبيلة المتوحشة مدوا ايديهم وقد فركوا الهواء بين السبابة والابهام.. واتضح انهم كانوا يريدون.. نقودا او عملة او اي شيء يصلح للتبادل او المقايضة. .. ثم هناك حكاية مانو ان فلانكو ويبدو انها عالمية بدورها لانها ببساطة وضع اصابع اليدين منفرجة فوق جهتي الخصر من جسم الانسان ولكن اهل نابولي ـ كما يقول قاموسهم القديم كانوا يفهمونها آية على تأكيد السلطة والسيادة خاصة ـ يضيف القاموس الطريف ـ مع ابراز الصدر الى الامام ورفع الرأس الى أعلى. والطريف ايضا ان هذا الوضع اذا ما صاحبته نظرة تحد او كبرياء يتغير لكي يدل على الاستهانة وربما الاحتقار. .. على العكس يكون وضع «برفيتو» ونشير الى انه ليس في الامكان ابدع مما نراه.. وفي اطاره تضم الاصابع الخمس مع بعضها ويتم تقريبها الى الفم فيما يشبه مشروع قبلة خيالية.. وهو بالطبع وضع متكرر عند شعوب شتى.. وكم يستخدمه اولاد البلد في القاهرة او الاسكندرية من باب الاستحسان وربما تصاحبه عبارة من قبيل: حاجة نجف. .. وعلى عكس ثريات الاستحسان عند اولاد البلد في مصر او في نابولي.. هناك علامة «كوسا دا نوللا» وترجمتها: ولا حاجة. وفيها يتم تقريب ظفر الابهام الى صف الاسنان العليا في مشروع للعض وهي حركة ينتج عنها صوت من احتكاك الظفر بالاسنان ومعناها رسالة للطرف الاخر ـ الأبعد ـ كمية مهملة.. صفر على الشمال.. لا شيء هذا ما كان من امر الايطاليين في شمالي المتوسط اما قومنا جنوبي البحر العتيد فربما استخدموا الحركة نفسها ليعبروا بها عن ان فلانا «جلدة» بمعنى مقتر شديد البخل حيث الجلد لا يطعم لحما ولا شحما ولا اداما. كما قال بشار بن برد في وصف بليغ لمواطن عباسي كان من وجهاء العصر الموسرين وايضا من بخلائه الأعلام رغم ان اسمه كان العباس دليلا على ارستقراطية، المنبت في ذلك الزمان.. وفيه قال بشار بيته الشهير: ظل اليسار على العباس ممدود وقلبه أبداً بالبخل معقود بمعنى ان البخل ليس مجرد حالة ولا عارض ولكنها خلقة ربنا.. ولله في خلقه شئون.