الرئيس الامريكي جورج بوش الابن يرتب لحرب مقدسة وصفها بأنها «صليبية» طويلة الامد «الارهاب» ولا تتوقف مجالاتها واسلحتها وادواتها عند الاستخدامات العسكرية المسلحة ضد الاهداف المحددة، وانما تتجاوز ذلك الى ما تتطلبه وفق برنامج تلك الادارة. ومن الواضح ان حرب «الشر على الخير» كما يسميها تعني بدقة وشمول الاهداف التي كانت الولايات المتحدة الامريكية تتطلع الى تحقيقها والمصالح التي تريد الحصول عليها او حمايتها منذ زمن.. فالتفكير الامريكي يرى كل هدف له مقدسا وكل مصلحة تعود عليه بالنفع هي حق من حقوقه ومن يمنعها أو يعوق حصول الامريكي عليها هو شرير، وهذا التفكير ليس غريبا على مجتمع قام على التمييز العنصري وعبودية السود وابادة الهنود الحمر واستغلال الآخرين بالقوة، وعلى التواطؤ مع عنصريات عصرية منها العنصرية الصهيونية المكرسة بالقرار 3379 . أهداف خفية وسنرى ان لائحة المطالب الامريكية التي يحشد العالم الرسمي للوقوف وراء تلبيتها هذه الايام ستشمل فيما تشمل: 1 ـ السيطرة على الغاز والنفط في بحر قزوين من خلال فرض اتفاقيات وشروط، ووجود قوات احتلال امريكي مباشر تحت ذرائع شتى. 2 ـ تعزيز النفوذ الامريكي في آسيا الوسطى، وتعزيز حلف شمال الاطلسي هناك، وجعل روسيا تفكر بأجنحتها المكسّرة قبل ان تفكر بمقاومة درع الصواريخ الامريكية التي سيتم بناؤها. 3 ـ القضاء على الصحوة الاسلامية الممتدة في افغانستان وباكستان وصولا الى تسوية النزاع في كشمير لمن يتنازل لمصلحة امريكا اكثر ويدعم مخططها وحربها اكثر، لاسيما بين قوتين نوويتين اسيويتين: الهند وباكستان. 4 ـ الاقتراب اكثر من فرض طوق على ايران للقضاء على دورها في اسيا الوسطى من جهة وعلى توجهها لامتلاك سلاح متقدم وتطويره من جهة اخرى، وجعلها تنكفيء اسلاميا ونضاليا في دائرة ضيقة لا تخرج عن مساحتها الجغرافية من جهة اخرى. 5 ـ انجاز ما لم ينجزه بوش الأب في العراق وما حوله بتغيير نظام الحكم ـ إن امكن ـ واعادة رسم الجغرافيا السياسية في المنطقة ـ واحكام القبضة على الخليج ودوله ومنابع النفط فيه واقتصاده بشكل اكثر واكبر واشمل وتوسيع القواعد العسكرية وزيادة عددها وتطوير خدماتها لخدمة الاستراتيجية الامريكية الموضوعة لهذه المنطقة من العالم ولما يمتد وراءها من شرق مستهدف اقتصاديا وحضاريا. 6 ـ تصفية كل شكل من اشكال المقاومة للهيمنة الامريكية وللوجود الامريكي والكيان الصهيوني سواء أكانت المقاومة ممن يستخدمون السلاح في عملية محددة ومحدودة ام ممن يتوعدون باستخدامه أو ممن يستخدمون الشعار والهتاف والفكرة والدعوة لتحرير هذه المنطقة من النفوذ الامريكي ـ الصهيوني. ومن الواضح ان الاهداف لا تقتصر على وجود عناصر لتنظيم القاعدة او وجود ذكر لاسامة بن لادن، بل تتعدى ذلك لتشمل كل من يدعم الانتفاضة الفلسطينية ومقاومة الاحتلال الصهيوني، ومن لا يعترف بـ «اسرائيل» ويدعو الى عدم الاعتراف بها، ومن يرفض تطبيع العلاقات معها وينادي بعروبة فلسطين، وبعودة اهلها اليها وبكونها عربية. 7 ـ- تصفية البؤر القومية والاسلامية التي تعمل عربيا على ايجاد موقف: رسمي وشعبي، ثقافي واقتصادي، يرفض الانصياع للشروط والمطالب الامريكية ـ الصهيونية في المنطقة، مما يتصل بقضية فلسطين والصراع العربي الصهيوني، والقضاء على الارادة التي تقاوم الاحتلال وتطالب بالتصدي للمصالح الامريكية لكي يوضع حد للانحياز الامريكي الاعمى لقوة العدوان والاحتلال والعنصرية الصهيونية في فلسطين. 8 ـ التهديد بتوجيه ضربة لحزب الله وللمقاومة الوطنية والاسلامية في لبنان وفلسطين والاردن وسوريا، والقيام بعمل عدواني ـ أو تحريك عناصر عميلة لخلق مناخ يسوغ عملا عدوانيا على لبنان وسوريا لخلق ظروف جديدة من شأنها ان تملي حلولا ومواقف وادواراً مرفوضة، منها ما يتعلق بنشر قوات لحماية حدود الكيان الصهيوني من المقاومة في جنوب لبنان، وتجريد تلك المقاومة من اسلحتها، ومنع مدها الايجابي من التأثير على استمرار الانتفاضة والمقاومة في فلسطين المحتلة وتطور ادائهما. 9 ـ اضعاف حركة المد والوعي الشعبيين عربيا واسلاميا.. وجعل الانتفاضة والمقاومة معزولتين وملاحقة عناصرهما ومن يناصرهما ومن يأوي عناصر منهما او من يقولون بدعمهما واستمرارهما بوصف اولئك عناصر «ارهابية» او ترعى «الارهاب» وتحرض عليه. 10ـ اعادة صوغ التوجهات والقرارات وسبل الاداء في المنطقة المحيطة بفلسطين المحتلة على الخصوص بما يكرس الاحتلال والمشروع الصهيوني والممارسات التي يراها كفيلة بتنفيذ ما يراه من خطط وبرامج لتعزيز السيطرة والتوسع وفرض النفوذ على ابناء المنطقة ودولها. وضع الملفات على الطاولة ان الادارة الامريكية تضع الملفات القديمة كلها على الطاولة وتريد ان تستفيد من الظرف: ضربة 11 سبتمبر 2001 الى اقصى حد لتنفيذ كل ما تريد مسخرة قوتها وتعاطف العالم معها.. وهي لا تكتفي ابدا باستخدام القوة لتحقيق اهداف عسكرية هنا أو هناك، لاسيما ضد افغانستان وانما تريد ان تدخل الى داخل التكوين النفسي والفكري والوجداني لجعل الناس معها خوفا او طمعاً وبكل الوسائل والاساليب الممكنة.. وسوف تعتمد في مناطق معينة برمجة الازمات للدول والحكومات والقوى الرافضة.. وتعتمد في مناطق اخرى ضربات مباشرة.. وتدخلا مباشرا على الارض: اي الاحتلال الذي له دائما ما بعده. والاسئلة التي يمكن طرحها من بين اسئلة كثيرة جدا يغلي بها قدر العالم السياسي اليوم. أولا: هل تستطيع الولايات المتحدة الامريكية تحقيق ما تريد؟! وهل تتكرر «السيناريوهات» التي قامت بها في السابق مثل: حرب الخليج الثانية ـ البوسنة والهرسك.. كوسوفو.. الخ. من حيث القوة العسكرية تملك الولايات المتحدة الامريكية ما لا يملكه كثيرون في العالم من قوى التدمير.. وتملك الى جانب ذلك نزوعا شريرا ملفعا باعتقاد انها على حق وأنها الخير الذي يلاحق الشر.. وأن ما تقوم به هو العدالة المطلقة؟! ولك ان تعجب من ذلك ما شئت ـ ولكن كل نصر عسكري تحققه الادارة الامريكية في هذه الحرب المعلنة لن يكون حاسما ونهائيا.. فهي تفقد اقوى العناصر والمسوغات التي يبنى عليها فعل يراد لنتائجه ان تكون حاسمة وفي مصلحة البشرية والقيم والاخلاق والعدالة.. انها بكل بساطة وضعت اهدافها القديمة وملفاتها المعدة سابقا على الطاولة، وبدأت تهييء نفسها وتحالفاتها والمحيط الدولي من حولها لتخضع من أرادت اخضاعهم ولتبيد من كانت تريد ابادتهم قبل 11 سبتمبر 2001. ولتحقق الاهداف المحددة منذ سنوات.. وقد اخذتها حمى التحرك باتجاه تنفيذ ذلك قبل ان تقدم للعالم ادلتها وبراهينها وحججها المقنعة التي تثبت مسئولية من تشير الى انهم الاعداء.. وعناصر الشر الاولى.. الذين يتهمون بتنفيذ تفجير نيويورك وواشنطن، ولم يؤثر على خططها تلك انكشاف الكثير من الكذب فيما قدمته حول اشخاص شاركوا في الهجوم وتبين انهم احياء ولا صلة لهم بالموضوع. مراجعة الأخطاء ولذلك فإن اي نصر تحققه الولايات المتحدة الامريكية في اية مساحة جغرافية او سياسية، او في اية دائرة نفسية وعقلية وثقافية لن يكون سوى مقدمة لمزيد من التحريض ضد السياسة الامريكية وعدوانيتها وازدواجية معاييرها وصلفها.. وما دامت الادارة الامريكية لا تراجع نفسها في العمق لتجيب عن اسئلة منها: لماذا تم هذا العدوان علينا وفي عقر دارنا؟! ولماذا ينظر العالم الى الولايات المتحدة الامريكية نظرة فيها غضب وكراهية ورغبة في الانتصاف من سياستها وقوتها العمياء وانحيازها الكريه واستغلالها البشع.. ولماذا يرى الكثيرون فيها الوحش الشرير على الرغم من انها ترى في نفسها الخير الذي يريد ان ينتصف من الشر؟! ببساطة ما لم تراجع الادارات الامريكية، وما لم يراجع صناع القرار والرأي العام انفسهم ومواقفهم وخططهم ليقفوا على حقيقة عنصريتهم التي عجزوا عن مواجهتها في دوربان، وانحيازهم الاعمى لعنصرية الصهيونية التي ما زالوا يناصرون همجيتها، وما لم يدركوا من خلال التعامل العلمي ـ الموضوعي مع الواقع والقانون والتعاريف والمصطلحات انهم الراعي الاول لارهاب الدولة الذي ينفذه الكيان الصهيوني.. فإنهم لن يستفيدوا من اي نصر يحققونه عسكريا وسياسيا في اي مجال، لأنهم يزدادون تورما خبيثا بعد كل نصر مسلح.. ولان ضمائر الشعوب والافراد مرايا نظيفة ترى جوهر الشر الامريكي ـ الصهيوني وتعرف كيف تشخصه وتحمل له تاريخه وممارساته.. وكيف ترد عليه في المستقبل. ان الادارة الامريكية التي تشبه فيلا هائجا يمكن ان يسحق الكثير من ابرياء العالم لا تدرك ان كل من يذهب له بريء سوف يتحول الى مخرز يدمي عين الفيل او قدمه.. وأن الفيل قد يسقط من قدمه. ثانيا: ان العالم الذي عرف جيدا كيف استغلت امريكا التحالفات التي اقامتها والمعارك التي خاضتها منذ تفردها بقيادة العالم بعد حرب الخليج الثانية لن يكرر السير الأعمى في السيناريو الأمريكي المقدم له.. وسيبحث في التفاصيل، وفي تفاصيل النتائج، وسيقارن بين ما وصل إليه وما وُعد به.. وأول من يجب ان يفعل ذلك العرب والمسلمون بين الأمم، والعرب المعنيون بقضية فلسطين بشكل خاص.. لأن عليهم ان يدرسوا جيداً مدريد وما بعدها من بوش الاب إلى بوش الابن مروراً بكلينتون، ليعرفوا الشر المتحالف مع العنصرية وليعرفوا انها هي التي أعطت مجرم صبرا وشاتيلا شارون كما أعطت سواه من الارهابيين الصهاينة المجرمين ضوءًا أخضر لتصفية الفلسطينيين جسدياً والسيطرة على القدس، واخضاع لبنان ومقاومته، وعزل سوريا وسواها.. لقد أعطوا اسرائيل كل ما في البيت الأبيض من طاقات وامكانات وسدوا آذانهم بوجه صراخ أطفال العرب وقادتهم، وإذا لم يحضر التاريخ القريب وتتم الاستفادة منه جيداً، فما معنى الذاكرة والتاريخ أصلاً؟ ثالثاً: ومن الأسئلة التي تطرح نفسها: هل تستطيع الادارة الأمريكية ان تقنع العالم بأنها الخير الذي يتصدى للشر، وأنها تشن حرب: العدالة المطلقة؟! أم ان الذين تقول انهم الشر هم الذين سيقلبون المعادلة ويقدموا للعالم حقائق ووقائع ومعطيات من التاريخ والواقع توضح بما لا يدع مجالاً للشك ان كل ادعاء أمريكي بالخير والعدالة والقيم الانسانية لا يعدو كونه بضائع سياسية استخدمت كثيراً، ولم تسفر إلا عن كشف الوجه الحقيقي البشع لعنصرية استعمارية تأخذها العزة بالاثم وتزداد شراً بامتلاكها لعناصر القوة؟ رابعاً: لقد أطلق الرئيس الأمريكي عبارة تراجع عنها هي رصيده في العمق ورصيد أمثاله من جهة، والدافع العميق الذي يكمن وراء خططه الاستراتيجية الموجهة للعرب والمسلمين بالدرجة الأولى، ولكل من له مصلحة في بلده من جهة أخرى: لقد قال انه سيشن حرباً «صليبية» وهو يعرف جيداً ما تعني هذه الكلمة وما تحرك من مشاعر وما تستثير من ذكريات، وإلى أين تتجه في عقول ونفوس.. إنه يعرف.. ويعرف جيداً انه وريث لسياسة قالت في بداية العقد الأخير من القرن الماضي: سوف يشهد القرن المقبل ـ أي القرن الحادي والعشرين ـ سيطرة السلوك الأمريكي والقيم الامريكية.. إلخ، بما يشبه شن غزو ثقافي على الشعوب، وانه نشأ في رحبة سياسية فكرت بصدام الحضارات وصراعها الذي قال به صموئيل هنتنجتون على هامش انتصار بوش الاب. وقد حدد مفكرون وساسة أمريكيون أعداءهم بعد انهيار الاتحاد السوفييتي بأنه الاسلام، وقال قائل أولئك بأن عقيدة الصين وعقيدة الاسلام سوف تتعاونان في الحرب التي سيشنها الغرب على هذا الشرق. ونحن لمسنا انه منذ اللحظة الأولى لوقوع التفجير في نيويورك وواشنطن بدأت التصريحات والتلميحات المخابراتية والسياسية الاعلامية الأمريكية تتهم العرب والمسلمين وأخذت أجهزة الأمن تحتجز بعضهم، وبدأ يلاحق أمريكيون عرب ومسلمون أمريكيون على أرضية هذا التحريض.. فلماذا يتم ذلك؟! وعلى أية خليفة؟! ومن أجل ماذا!؟! ولأي هدف؟ ما زال بوش يقول: إن ابن لادن هو المشتبه به الأول في تفجير الحادي عشر من سبتمبر، ولكنه لم يكف لحظة واحدة عن وضع الخطط وتوظيف الجهد واتخاذ الاجراءات التي تستهدف أفغانستان وابن لادن وسوى أولئك من العرب والمسلمين بالضربة المتوقعة.. قبل أن يثبت التهمة ويقدم الدليل!؟ فلم لم يتبيّن قطعية الاتهام وهوية الفاعل بشكل تام قبل أن يحشد قواه ويمارس تحريضه المقيت في هذا الاتجاه أو ذاك؟! إنها أسئلة لا يفسّرها إلا انطلاق ذلك الفصيل السياسي العنصري ـ الصهيوني من مواقف مسبقة ودسيس قديم عبّرت عنه كلمة بوش: حرب «صليبية». فلنقرأ جيداً كيف يفكرون.. ولنعرف جيداً ماذا يريدون.. ولنتعظ عرباً ومسلمين قبل أن نفتح لهم أوطاننا وحدودنا وقواعدنا وعقولنا تحت اسم مقاومة الإرهاب الذي نحن ضحاياه وهم أعتى دعاته ورعاته وممارسيه ـ وساحة فلسطين المغرقة بالدم منذ سنوات خير شاهد على ذلك ـ ولندقق في النتائج وتفاصيل الحدث.. وإذا كنا نهرب من العدوان إلى الاحتماء بالمعتدي فلنعرف جيداً أن الشرير لا يملك إلا رصيده من الشر... وأن الإدارة الأمريكية المحكومة بالعنصرية الصهيونية لن تقدم لنا خيراً. إنه الشر الذي تفوح منه رائحة الكراهية للآخرين.. الجوييم.. لا سيما العرب والمسلمين من بين أولئك الغوييم. الشعب الأمريكي لا يعرف السياسة الأمريكية جيداً ومن حقه أن يعرف وأن يقوم بالمراجعة وأن يتدخل لكي يكف عن العالم شراً أمريكياً ـ صهيونياً، ويقرّب الأمريكي الإنسان من أخيه الإنسان ومن حقائق السلوك الإنساني النظيف. أيها الأمريكيون لا تكونوا ضحايا العنصرية الصهيونية وشرّها الأسود.. فيحصد العالم وتحصدون نتائج الشر... تعالوا لنضع... بالعقل والوجدان والمنطق والطاقة الروحية العالية بالإسلام وروح الإيمان المسيحي والبعد الأخلاقي لقيم الإنسان.. تعالوا لنضع حداً للشر الصهيوني العنصري وللتحريض على الكراهية والعدوان على الآخرين.. وإننا قادرون. ـ رئيس اتحاد الأدباء والكتّاب العرب