مهما تفنن خبراء الصياغة الخطابية في انتقاء الكلمات والعبارات ذات المدلول المعمم الغامض المقصود لعموميته وغموضه تظل الحملة الهجومية العالمية المرتقبة التي تعدها الولايات المتحدة، يشنها تحالف مسيحي يهودي ضد الاسلام والمسيحية واذا لم تتسلح حكومات العالم الاسلامي بالوعي والحذر فإنها واقعة لا محاله في فخ «التحالف الدولي ضد الارهاب» الذي تنفرد واشنطن بانشائه وقيادته وفقا لاجندة غربية بحتة. لقد لخص القصة بنيامين نتانياهو ذلك الصهيوني «التوراتي» المتعصب، ففي مقابلة قبل بضعة ايام مع شبكة «ايه بي سي» التلفزيونية الامريكية حول مدلول «التحالف الدولي ضد الارهاب» تحدث عن «حتمية الصراع الحضاري» بين الغرب والاسلام كصراع حياة او موت. وهكذا نفذ نتانياهو الى جوهر القضية المطروحة مباشرة مخاطبا الشعب الامريكي لمدى قرون متصلة، يقول نتانياهو ظل العالم الاسلامي خاضعا تماما للغرب بنفوذه الاستعماري والحضاري.. والآن تتبلور صحوة اسلامية متعاظمة لقلب الوضع باستعادة تفوق الامة الاسلامية على الغرب حضاريا. من هنا يدعو نتانياهو الى ضرب التنظيمات الاسلامية الراديكالية دون تردد ودون رحمة في حرب غربية شاملة طويلة المدى يجب ان تشن قبل فوات الاوان. وربما صح ان نتجاوز عن تعبير «الحرب الصليبية» الذي استخدمه الرئيس جورج بوش الاسبوع الماضي باعتباره «زلة لسان» كما قال بعض مساعديه، ولكن طرفا مما قاله نتانياهو في المقابلة التلفزيونية الطويلة يتردد صداه داخل البيت الابيض الامريكي وكأنه وقع الحاضر على الحاضر. فقد كشفت «نيويورك تايمز» وصحف امريكية اخرى عن ان من بين السيناريوهات العسكرية المطروحة للنقاش في اجتماعات ادارة بوش سيناريو يدعو الى توسيع الحملة المرتقبة «ضد الارهاب» لتشمل بالاضافة الى افغانستان ضرب العراق «وحزب الله» اللبناني. هنا نتوقف لحظة للتساؤل: اذا كانت المؤشرات الاولية بشأن دور لحكومة طالبان واسامة بن لادن في تدبير الهجمات ضد نيويورك وواشنطن هي في افضل الاحوال مجرد تكهنات وتخمينات فانه لايوجد اي شيء يعتد به في شأن العراق او «حزب الله»، فما هو مبرر اقحامهما في سيناريوهات الحملة التي تعد لمكافحة الارهاب العالمي؟ ان ما يجمع بين العراق و«حزب الله» هو انهما كيانات اسلاميان، وهما ـ وهذا هو الاهم من وجهة النظر الامريكية ـ كيانان يجهران بالعداء لاسرائيل. من هنا يأتي الاستنباط باننا بازاء تحالف مسيحي يهودي ضد الاسلام والمسلمين لتصفية حسابات حضارية بشأن مستقبل العالم، والا كيف نفهم تصنيف «حزب الله» تحت بند الارهاب العالمي علما بانه منذ انشائه وحتى اليوم على مدى 15 عاما لم يقدم اطلاقا على اي عملية خارج حدوده الجغرافية في الجنوب اللبناني؟ واهم من ذلك.. كيف نفهم ان «التحالف الدولي» الذي تقوده الولايات المتحدة موجه ضد الارهاب العالمي على اطلاقه بينما تنحصر قائمة المنظمات القتالية في منظمات اسلامية فقط، وبالتالي تستثنى منظمات قتالية غير اسلامية مثل المنظمة المسيحية المعروفة باسم «الجيش الجمهوري الايرلندي»؟ ولتكملة الصورة نعود الى حديث نتانياهو الى الشبكة التلفزيونية الامريكية، فقد طالب بان تضم القائمة ايضا المنظمات الفلسطينية «المعادية للسلام» التي تدبر وتنفذ عمليات «انتحارية» ضد اسرائيل. لهذا نقول ان على حكومات العالم الاسلامي ان تتبصر الامر قبل التورط في تحالف دولي هو بالضرورة موجه ضد الامة الاسلامية لاسباب لاتتعلق بالارهاب وانما تتعلق بأجندة الصراع الحضاري.