بعد ان هدأ لهيب منهاتن وبدأت امريكا تحصي قتلاها، شرع العالم بأسره يراجع نفسه وقيمه ومقاييسه ويتأمل خارطة المأساة. نعم، العالم كله وليست امريكا وحدها بحاجة الى اعادة نظر وتقييم، وإعادة تحديد اهدافه على ضوء الفاجعة. فقد هزت عمليات الثلاثاء الاسود لا فقط قواعد السياسة الامريكية بل اركان الحضارة البشرية كلها وهي في منعرج الالفية الجديدة. بلى، لن يكون العالم بعد الحادي عشر من سبتمبر 2001 مثلما كان قبل ذلك التاريخ، ومهما كانت الجهات الخفية التي ضربت البرجين التوأمين والبنتاجون ومهما كانت ردة الفعل الامريكية العسكرية على من تتهمهم واشنطن برعاية الارهاب ومهما كان موقف الدول والمجتمعات ازاء هذه التداعيات فالأمر يتعلق بزلزال خطير لابد ان يزعزع اسس العلاقات الدولية القديمة الجائرة ويعدل كفة موازين الظلم المسلط على الشعوب المستضعفة من قبل قوى ظاهرة وباطنة اصبحت منذ طلوع ما يسمى بالنظام العالمي الجديد بعد حرب الخليج الثانية تتحكم في مصائر البشرية وتستعبد الامم البائسة وتحدد مستقبل العالم على هواها وعلى هوى مصالحها المالية الكبرى. ان بعض الاصوات طلعت من امريكا ذاتها، وهذا صوت الدكتور ليندن لاروش رجل الاقتصاد المعروف والمرشح الاسبق للرئاسة الامريكية يقول نفس يوم الثلاثاء 11 سبتمبر على امواج اذاعة «يو اس راديو» وفي موقعه على الانترنت: «النية وراء العملية الارهابية هي دفع امريكا الى توجيه ضربة الى العالم العربي والاسلامي لتجسيد وتحقيق نظرية صدام الحضارات التي هندسها المفكر الامريكي من اصل يهودي صمويل هنتنجتون حين كان المنظر الاول في مطلع التسعينيات لعالم تتملق فيه الولايات المتحدة الامريكية لا بالمصالحة مع الحضارات العريقة الراسخة لكن بالقضاء عليها وفي طليعتها الحضارة الاسلامية وحضارة الصين» يضيف ليندن لاروش قائلا: «هذه العملية الارهابية كبيرة جدا وهي اكبر من مجرد عملية ارهابية وفوق قدرات جماعات تقليدية معروفة لأنها تتطلب دعما لوجستيا هائلا وشهورا من التدريب على ايدي الخبراء العسكريين والمدنيين. وهذا العمل لا يمكن ان يقوم به احد من العالم العربي. ان بعض الناس يريدون الزج بالولايات المتحدة الامريكية في حرب ضد العالم العربي وراء الجيش الاسرائيلي. هذه نية جيوسياسية واضحة..». ويمضي ليندن لاروش متسائلا عن غفلة الاجهزة الامنية الامريكية او تواطئها قائلا: «انه من المستحيل وقوع هذا الامر بدون وقوع شلل تام في الاجهزة الامنية...». وحذر لاروش من ردة الفعل المؤسسة على الرعب وفقدان الاعصاب قائلا: «ان النظام العالمي سينهار وعلينا ان نزيل الاسباب الحقيقية الكامنة وراء هذه الازمة وعلينا تأسيس نظام «بريتن وودس» جديد، اشارة الى النظام النقدي العالمي الذي ظهر بعد الحرب الكونية الثانية وبعث مؤسستي صندوق النقد والبنك الدوليين وما يحمله هذا النظام من استبعاد القوى المنتصرة لبقية الامم المتحدة وسلبها ثرواتها وابقائها تحت نير الديون المجحفة والتخلف الصناعي والجهل والتبعية والاستغلال والفقر وانعدام الديمقراطية. هذا صوت من امريكا وقد كانت اصوات اخرى من امريكا حذرت المجتمع الامريكي من ردة فعل عنيفة تأتي من المجتمعات المطحونة مع جيل جديد اصبح يتقبل الموت ليغير المعادلة، ولأن الموت هو اقصى ما يمكن من اجل دفع الظلم ولا يمكن لدولة مهما قويت ان ترد عملا يؤديه صاحبه وهو يدفع حياته مقابله وبلا أدنى تردد. وحتى لو افترضنا بأن لأسامة بن لادن يدا في ما وقع فإن تنظيم القاعدة كان في عقد الثمانينيات ممولا من الميزانية المركزية الامريكية للمخابرات بقصد كسر شوكة الاتحاد السوفييتي في افغانستان وتحويل الحرب الباردة الى حرب ساخنة على اثر الهزيمة العسكرية النكراء التي منيت بها امريكا في فيتنام عام 1974 والهزيمة السياسية الكبرى التي منيت بها امريكا كذلك في ايران عام 1979 حين انهار عرش الشاه حليف الولايات المتحدة على ايدي آيات الله في ظرف شهور معدودة وتغيرت خارطة الشرق الاوسط بشكل هدد المصالح الامريكية. وبدأت مناورات واشنطن تعد العدة لتحطيم التحالفات العربية والاسلامية فغذت الحرب العراقية الايرانية على مدى ثماني سنوات بتسليح الطرفين كما ثبت في فضيحة «ايران جيت» وبعد ما هدأت قعقعة السلاح عام 1988 بتعب المتحاربين نزيفهم، وحركت المصالح الامريكية بشكل لا يزال مجهولا الى اليوم العراق لغزو الكويت ليلة 2 اغسطس 1990 مما لا تزال آثاره مشلة للجسد العربي الى اليوم. وفي نفس الوقت وضعت واشنطن بكل ثقلها السياسي والعسكري والاعلامي لضمان التفوق التكنولوجي الاسرائيلي واضفاء الشرعية على اعظم مظلمة سلطت على شعب مستضعف في القرن العشرين وغلفت تلك العقيدة الاستراتيجية الجائرة بأصباغ السلام الزائف وإعادة رسم خريطة الشرق الاوسط الجديد الذي ارادته الصهيونية بلا عروبة ولا اسلام وبدأ التزوير التاريخي اليهودي لفلسطين وللمنطقة كلها ترافقه افظع المجازر من مجزرة خليل الرحمان الى مجزرة قانا الى مذابح الاقصى المتلاحقة في جو من الصفاقة والوقاحة والاعتداء على الشرعية الدولية والمواثيق الموقعة وقرارات الامم المتحدة لم يشهد له تاريخ الصراع مثيلا من قبل وبمباركة وتشجيع من واشنطن.. الى حد السكوت الامريكي المخجل عن عمليات ابادة وتطهير عرقي... قاومت امريكا في مناطق اخرى من العالم اقل منها اثرا وأخف ضررا كما في يوغسلافيا، وإلى حد غضب المملكة العربية السعودية ومصر والاردن من هذا السلوك الامريكي العجيب المنذر بالويلات والمشحون بالزلازل. هذه هي العولمة الامريكية كما بزغت شمسها السوداء على شعوب العرب والمسلمين بأخطر التحولات المهينة للاسلام باحتلال القدس الشريف ضد الشرعية الدولية وضد السلام العالمي وغلق ابواب الحوار حول ملف القدس وملف ملايين اللاجئين وملف دولة فلسطين لتحل محلها لغة «الاباتشي» و«أف 16» تغتال القادة والزعماء والناشطين لفرض سلام المقابر على شعب فلسطين بمباركة واشنطن.. في موقف لا اخلاقي وصل الى حد الانسحاب من مؤتمر «دوربان» قبل اسرائيل رغم ادانة العنصرية الاسرائيلية من قبل 4000 منظمة غير حكومية تمثل ضمير الانسانية، 2000 منها امريكية! ويضاف الى هذا العمي الدبلوماسي تكريس امريكا لسلطان المال وتتويج الشركات العابرة للقارات كبديل للدول والحكومات مما سخر له الزميل محي الدين زلوم كتابا قيما صدر منذ عامين باللغتين الانجليزية والعربية تحت عنوان (نذر العولمة) وأوضح مدى عمق الشرخ الاقتصادي والاجتماعي والثقافي الذي احدثته الشركات الامريكية العملاقة في حياة ملايين البشر ليس من العالم الثالث البائس وحده بل حتى في اوروبا التي ثارت ثورتها العنيفة في اجتماع الدول المصنعة بمدينة «جنوة» الايطالية في الصيف الراهن. فالمزارعون الاوروبيون الذين هبوا لتحطيم مطاعم «الفاست فود» المعروفة يرفضون تهميش تقاليدهم وتراثهم ومحاصيلهم على مذبح العولمة الجائرة.. اما عن المجتمعات المعدمة من «لاجوس» الى «مانيلا» ومن «كلكتا» الى «بوجوتا» فحدث ولا حرج. ففي اقتصاد العالم كما في السياسة كما في القانون اردات امريكا ان تعوض القواعد الدولية المتعارفة بالقواعد الامريكية بدءا بتطبيق قانون «داماتو» الذي يعاقب الدول المتعاملة مع دول تصنفها واشنطن راعية للارهاب مرورا بتدمير «مصنع الشفاء للأدوية» وصولا الى اضفاء الشرعية على اكبر عملية تصفية عرقية ضد شعب فلسطين. وبالطبع فلابد ان تكون واشنطن واعية، مستمعة لتلك الطبول التي تقرع بمعاداتها ودعوتها للانصاف حتى يتلاءم حجم امريكا العملاق مع رسالتها الحضارية الجديدة في العالم. وبالطبع كذلك فنحن ندين الارهاب ونعتبره اجراما دوليا ونتفهم صدمة امريكا لكننا نعتقد بأن اي رد فعل عسكري امريكي بدون ضوابط وبدون شرعية سيكون عملا ارهابيا آخر ترد به على عمل ارهابي وسيجلب لها المزيد من السخط... ومن يدري في السنوات المقبلة او في الجيل المقبل كيف ستكون الهجمات المقبلة على امريكا؟ لقد كان صوت الرئيس محمد حسني مبارك على شاشة «سي ان ان» صوتا حكيما وعربيا ومسلما... واعيا بأبعاد وتداعيات هذه اللحظة الخطيرة. فهل من آذان صاغية في واشنطن؟ ـ استاذ بقسم الاعلام ـ جامعة قطر