تبدو الولايات المتحدة وهي تقيم (التحالف الدولي) ضد (الإرهاب) وكأنها تدعو العالم إلى ركوب طائرة تقودها هي ولا يعرف الركاب إلى أين تمضي بهم؟ وما هي مهمتها؟ وهل ستنزل سالمة أم تسقط في الطريق؟ وهل سيستمر قائدها في السيطرة عليها حتى النهاية أم يتم اختطافها كما حدث للطائرات الأمريكية في يوم الثلاثاء الحزين؟ ولاشك أن الضربة التي تلقتها الولايات المتحدة الأمريكية موجعة وأليمة، وخسائرها المادية والمعنوية فادحة، ولكن الخسارة الأكبر بالنسبة لأمريكا هي تلك التي أصابت هيبتها وجعلت مكانتها كقوة تهيمن على العالم موضع تساؤل. وأمريكا تدرك أنها بحاجة لعمل سريع لاستعادة الهيبة المفقودة والكرامة الجريحة. فليس سهلا على الشعب الذي عاش سنوات طويلة وهو يحس بالأمان الكامل ولا يعرف الحروب إلا بعيدا عن أرضه، فكل معاركه خاضها في الخارج، من الحرب العالمية إلى فيتنام إلى العراق إلى يوغسلافيا، ليس سهلا على هذا الشعب أن يذوق الهزيمة في حرب تجرى على أرضه، وأن يعيش الرعب ضد عدو لا يراه، وأن يبعث إلى المقابر بآلاف الضحايا، وأن يدرك أن زمان الأمن الكامل قد ولى إلى غير رجعة. وليس سهلا على الإدارة الأمريكية ـ وخاصة الحالية ـ التي تتصرف مع العالم بعنجهية من يهيمن على المصائر ويحدد السياسات ويكتب سيناريو الحاضر والمستقبل للعالم كله.. ليس سهلا على هذه الإدارة أن تتحول في لحظة إلى قوة عاجزة تتلقى الضربات ولا تستطيع الرد، وتفقد السيطرة حتى على أجوائها وأرضها، وترى رموزها الاقتصادية والعسكرية والسياسية تتدمر، ورئيسها يختبئ، وأمنها ينكشف، والرعب يسيطر على شعب يعبد القوة، والضربة الموجعة تحيل أقوى امبراطورية شهدها التاريخ إلى دولة كغيرها من الدول تشكو وتتألم وتتلقى برقيات العزاء. الضربة كانت شديدة، والرد الأمريكي لابد أن يكون أشد من أجل بث الطمأنينة في الشعب الأمريكي الذي ازدادت شكوكه في كفاءة أجهزته الأمنية التي سجلت في هذه العملية فشلا ذريعا ومن أجل استعادة الهيبة المفتقدة ومحاولة الاحتفاظ بموقع الدولة المهيمنة على العالم، والتي كانت أمريكا قبل أحداث الثلاثاء الماضي تحلم بالاحتفاظ به إلى الأبد وفقا لنظرية نهاية التاريخ أو نهاية الصراع الإنساني بانتصار الرأسمالية وقيادة أمريكا! وسط هذه الضغوط رفضت القيادة الأمريكية كل الاصوات العاقلة التي طالبتها بالتروي وانتظار نتائج التحقيق فيما حدث، وبحث الأسباب التي أدت إلى المأساة، ومراجعة السياسات التي قادت أمريكا لأن تكون مركز استقطاب لكراهية العالم كله. لم تنتظر الإدارة الأمريكية بل سارعت بتوجيه الإتهامات إلى عدو حددته مسبقا، وإعداد العدة لحرب لا تعرف أين ولا كيف ولا متى ستخوضها، ودعوة العالم للانضمام إليها في هذه الحرب ضد المجهول وتخيير الدول بين خيارين لا ثالث لهما: معنا أو ضدنا وتحملوا العواقب إذا لم تحسنوا الاختيار! وهكذا أصبح كل من يحمل اسما عربيا أو إسلاميا بين ركاب الطائرات المخطوفة متهما بالضلوع في الجريمة قبل أن يبدأ التحقيق، ولم تقل السلطات الأمريكية لماذا تم استبعاد الركاب الآخرين (من غير العرب والمسلمين) من دائرة الاشتباه؟! ولم ترد على تهاوي دعواها حين ظهر ان بعض من اتهمهم بارتكاب الجريمة مات من عامين، وأو مازال حيا يرزق ويعمل في بلاده، والأهم من ذلك أنها لم تفسر لنا لماذا يحرص من تقول إنهم الجناة على ترك آثارهم وراءهم. إن المعهود في مثل هذه الجرائم أن يختفي مرتكبوها وأن يبعدوا الشبهات عنهم.. فلماذا يحتفظ هؤلاء بجوازات سفر عربية، وإذا كان قد ثبت أن بعضها قد تمت سرقته.. فلماذا لم يسرقوا جوازات من جنسيات أخرى لكي تبقى الشبهات بعيده عنهم وعن المنظمات التي ينتمون إليها؟! وكيف يعقل أن يذهب اثنان مقبلان على عملية مثل تلك التي حدثت، فيستأجرا سيارة باسميهما ثم يتركانها أمام المطارات الذي تمت منه عملية الاختطاف، وفيها كل ما يشير إليهما، وفيها أيضا مصحف شريف ربما كان مفتوحا على آية تحض على الجهاد؟! وكما حددوا ـ قبل التحقيقات ـ شخصيات من ارتكبوا الحادث، حددوا أيضا المحرض والمدبر وهو أسامه بن لادن.. وتجاهلوا كل الأصوات التي قالت إن العملية أكبر من امكانيات رجل معزول عن العالم لا يستطيع مهما بذل من أموال أن يدبر عملية بمثل هذا الإتقان ـ أجمع الخبراء على أنها تحتاج لإمكانيات هائلة لا تملكها إلا أجهزة مخابرات متقدمة أوكفاءات عسكرية كبيرة تعرف أمريكا جيدا وتستطيع اختراق أجهزتها الامنية حتى تتمكن من تنفيذ هذه العملية بكل تعقيداتها ـ هكذا حددوا الجناة قبل التحقيق، وحددوا المحرضين قبل أن يكشفوا الجناة، واختاروا هدف الحرب التي تتحرك لها قوات أمريكا وحلفائها.. وهي أفغانستان التي تعيش على هامش العصر وتعاني آثار سنوات طويلة من صراع القوى الكبرى التي حولتها إلى ضيعة للفقر والأفيون وجماعات التطرف التي تتقاتل وكل منها يرفع راية الإسلام المفترى عليه. ولكن.. لماذا ترفض أمريكا أصوات العقل التي تطالب بالتروي وانتظار الحقيقة ومعالجة الجذور في هذه القضية؟ ولماذا لا تلقي بالا لدعوة الرئيس المصري حسني مبارك لمؤتمر دولي ينعقد على مستوى القادة ويعالج القضية ويحدد المسئولية ويضع العالم كله في مواجهة الإرهاب بإرادة دولية وشرعية حقيقية؟ الأسباب كثيرة لهذا الموقف الأمريكي وأولها أن أمريكا تريد حربا سريعة تتوجه بها للمواطن الأمريكي حتى يستعيد بعضا من توازنه وثقته في قدرة الحكومة على حمايته.. وهي تتصور أن حربا مضمونة النتائج في أفغانستان يمكن أن تسعفها في هذا المجال حتى ولو كان الوضع في هذه الحالة كما صوره الرئيس المصري حسني مبارك (إنها قد تصلح مانشتات للصحف ولكنها تسفر عن نتائج عكسية). وأمريكا تريد الحرب بسرعة لأنها تريد استعادة موقعها كدولة مهيمنة على العالم. وهي حين تعرض صورة (التحالف) ضد الإرهاب، فإنها لا تعرض مشاركة حقيقية، ولكنها تريد من العالم أن يصطف وراءها، وينفذ إرادتها، ويخضع لقيادتها، ويمضي إلى حرب هي وحدها التي تحدد مكانها وزمانها والعدو الذي يتلقى ضرباتها. الحرب التي تريدها أمريكا تعرف أنها قادرة وحدها على خوضها، ولكنها تريد الآخرين وراءها (وليس معها) لكي يعطوا للصورة أبعادها المطلوبة.. دول أوروبا حتى لا تظن أن انفراد أمريكا بالهيمنة قد انتهى، والدول العربية والإسلامية لكي توفر الغطاء (الشرعي) لضرب دول إسلامية أو عربية، وباقي العالم لكي يجدد البيعة والولاء! ومن هنا ترفض أمريكا فكرة المؤتمر الدولي خاصة في هذه الظروف. لأن المؤتمر سيضعها في مواجهة (شركاء) قد يغريهم ما حدث ـ وبعد ضياع الهيبة ـ بأن يطلبوا أدوارا أكبر من دور (الكومبارس) الذي تريد أمريكا أن تحبس الجميع في إطاره. ثم إن المؤتمر الدولي سيكون فرصة للعقل، ولن تستطيع أمريكا أن تفرض فيه منطقها الذي تقود به حملتها الراهنة لبناء ما تسميه (التحالف) وهو المنطق الذي يقوم على فرضية (معنا.. أو ضدنا) في المؤتمر ستكون هناك فرصة للبحث والنقاش وطرح الحلول والخطط العلمية لإجتثاث الإرهاب، وسيتحدد دور كل دولة، ولن يكون هناك انفراد بالقرار من أمريكا أو غيرها. ثم إن المؤتمر الدولي ـ وهذا هو الأهم ـ سيطرح السؤال الذي تتهرب منه أمريكا، وهو: من المسئول عما حدث؟ وكيف وصل الأمر بشباب يائس من كل شيء إلى هذه العمليات الإنتحارية؟ وما هي السياسات التي قادت إلى وضع أصبحت أمريكا ـ حتى قبل الثلاثاء الدامي ـ تبحث عن سر الكراهية التي تواجهها في العالم كله؟ ستطرح الاسئلة، وسيتحول المؤتمر ـ إذا انعقد ـ إلى محاكمة لأمريكا وإلى سياساتها الفاشلة التي قادتها ـ وقادت العالم ـ إلى هذا المأزق التاريخي. ستجد أمريكا نفسها متهمة بأنها الصانع الحقيقي للإرهاب.. سواء بسياساتها الاقتصادية التي قادت البشر ـ من خلال العولمة ـ إلى غالبية تزداد فقرا، وأقلية تقودها أمريكا تزداد ثراء! أو بإهدار مصالح العالم كله إذا تعارضت مع المصلحة الأمريكية، أو بالوقوف مع أنظمة ظالمة ضد شعوبها والتخلي عن كل دعاوى الحرية وحقوق الإنسان.. إذا كان هذا يساعد على زيادة قوة أمريكا وثرائها، أو نهب ثرواتهم واستباحة أوطانهم أو بدعم الإرهاب الاكبر في هذا العصر الذي تمارسه إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني وضد الحقوق العربية، ثم أخيرا بزرع الإرهاب في الأرض العربية والإسلامية واستخدامه في استنزاف العرب والمسلمين من ناحية، وفي تشويه صورة الإسلام والحط من قدر العرب واستعداء العالم عليهم من ناحية أخرى. ستجد أمريكا في المؤتمر من يسألها: من الذي جاء بابن لادن وجعل منه أميراً للمجاهدين حينما كان ذلك مطلوبا في الحرب ضد السوفييت؟ ومن الذي ترك أفغانستان ـ بعد أن انتهت مهمتها ـ تعيش البؤس الإنساني دون أدنى مساعدة؟ ومن الذي أطلق (المجاهدين الأفغان) كما اسمتهم أمريكا ومخابراتهم على العالم الإسلامي يعيثون فيه فسادا، ويتحولون إلى ورقة لهز استقرار الدول العربية والإسلامية وإضعاف موقفها.. لكي تقبل من أمريكا ما لم تكن تقبله؟ وستجد أمريكا من يسألها في المؤتمر: لماذا اسكتت وسكتت معها دول الغرب على ما جرى ويجري في الجزائر من مذابح؟ ولماذا سكتوا حين كان الإرهاب يحاول ضرب استقرار مصر؟ ولماذا وفروا المأوى لزعماء الإرهاب في أرضهم وتركوهم يعبثون بأمن الدول العربية والإسلامية متعللين بأنهم يحافظون على حقوق الإنسان التي نسوها تماما حين تعلق الأمر بهم، وحين انقلب السحر على الساحر وضرب الإرهاب من رعاه؟ وستجد أمريكا من يسألها: هل المطلوب من العالم أن يتضامن معها في حربها ضد من تعتبرهم هي من (الإرهابيين) أم أن على دول العالم أن تتفق على ما هو الإرهاب وتحدد القائمين به، وتتعاون ـ بعد ذلك ـ في الحرب ضدهم؟ وهنا.. فإن إرهاب الدولة كما تمارسه النازية التي تحكم إسرائيل لابد أن يكون في مقدمة الأهداف لهذه الحرب ضد الإرهاب.. وإلا فأي مصداقية ستكون لهذه الحرب؟ وأي وحدة ستتحقق إذا ظلت إسرائيل وهي رمز الإرهاب الأول حليفة لأمريكا وهي تعلن الحرب على هذا الإرهاب؟! وستجد أمريكا من يسألها ـ كما سأل صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان ـ لماذا لا يكون هناك تحالف دولي موازٍ ضد إرهاب إسرائيل؟! وهنا أيضا. فإن خطا واضحا لابد أن يوضع بين الإرهاب وبين المقاومة الوطنية للاستعمار، ولابد من الإقرار بأن ما يقوم به حزب الله هو مقاومة وطنية، وما تقوم به الفصائل الفلسطينية هو مقاومة وطنية.. حتى ولو لم يتبرع عرفات بدمه لضحايا يوم الثلاثاء الدامي الرهيب، وبصرف النظر عن إيقافه للانتفاضة وإعلانه الانضمام للتحالف الأمريكي!! لهذه الأسباب لم تقبل أمريكا باقتراح عقد المؤتمر الدولي لمكافحة الإرهاب، ورفضت كل النصائح بالتروي في رد الفعل وانتظار نتائج التحقيقات، واستبعدت فكرة مراجعة سياساتها التي أدت إلى المأزق الذي واجهته، حتى قبل الثلاثاء الماضي، حين أدركت حجم الكراهية التي تتعرض لها في العالم كله، وبدأت تسأل عن الأسباب! وآثرت الولايات المتحدة أن تنساق وراء فكرة الانتقام السريع، وتصرفت إدارتها بمنطق (الكاوبوي) الذي يعلن الحرب بين الخير والشر، ويتصور أنها حرب (صليبية) ويريد ابن لادن حيا أو ميتا.. من أجل إرضاء الجماهير! وسوف تضرب أمريكا وتنتقم وتحقق (انتصارات) تلفزيونية، ولكنها ستدرك في النهاية أنها انتصارات زائفة، فهي تحارب عدوا ليس عنده ما يخسره، وتواجه بشرا يقتلهم الظلم والفقر ألف مرة بسبب السياسات الأمريكية التي لا تريد أن تعترف بالخطأ، ولا أن تبادر بالمراجعة والتصحيح، وتريد أن ترغم العالم على خوض حرب لا تعرف إلا هي وحدها أين ستكون؟ ومع من. سوف تضرب أمريكا، وتثأر، وتنتقم. ولكنها بدون مراجعة حقيقية لسياساتها ـ لن تقضي على الإرهاب الذي سيظل يعيش على الفقر والظلم والإهانات التي تزرعها هذه السياسات في العالم كله. وسوف تكتشف أمريكا وهي تحاول استعادة موقعها كدول مهيمنة على العالم، أن هذا العالم قد أصبح بعد 11 سبتمبر غير ما كان قبل ذلك! ـ نائب رئيس تحرير جريدة «أخبار اليوم» المصرية