رغم ما نمر به والعالم اجمع من احداث تدفع المرء لان يغرق في الحزن حتى البكاء ومن ثم الترقب لما نحن مقبلون عليه من ايام قد لا تكون زاهية الالوان في هذا العصر القاتم، إلا ان ما يصادفه المرء في يومياته من مواقف وما يشاهده على شاشات التلفزة ـ وقد اصبحت هي سلوانا في واقعنا الحالي ـ يجعله رغما عنه يغرق في الضحك المبكي الذي يخنق صوت صاحبه، ومعه تأبى الدموع ان تنحدر من المآقي وتبقى حبيسة المقلتين، فالسوء يزداد يوماً بعد يوم، ما ينذر بأن الآتي اسوأ ولا أمل يرتجى في اصلاح الاحوال. كيف..؟! ووسائل التعليم والتعلم والاعلام نفسها تنزلق ليس فيما تبثه من برامج ينقصها النضج الفكري والعمق الثقافي بل بمن تنصبهم على ادارة بعض برامجها من مذيعين ومذيعات ـ سيما المذيعات اللائي لم يعد لاختيارهن شرط او معيار سوى الشكل، فجميع الشابات اللواتي تخرجن من مسابقات حفلات ملكة الجمال، او ملكة الشاطيء او ملكة الاناقة، او ملكة المراهقات او تلك التي تخرجت من مسابقة «اللي يحب النبي يزق»، أو مسابقة «ذات اللسان السليط» أو غيرهما وجدن سبيلهن سهلاً الى عالم الموضة والاناقة والدرب امامهن ممهد لاقتحام الفيديو كليب او كلب الفيديو ـ وأخريات من اولئك «الخريجات» اتجهن الى احضان التلفزيون التي ارتأت ادارات تلك المحطات فيهن خير من ينجح في برامج «التنطيط والزعيق والميوعة» دون خجل من ضيوف برامجهن او مع جيش المتصلين. وعليه كان اتجاههن جميعا ـ بلا استثناء ـ الى برامج من الوزن الخفيف بل الخفيف جدا، بدءاً من الاسم مروراً بالمضمون وانتهاءً بالمذيعة التي هي في الاصل والاساس ليست اكثر من صورة ملونة جميلة ـ وعدا ذلك لا شيء سوى كل ما هو سييء ورديء ومخجل وما يدعو الى الغثيان. وما يدعونا للأسف ان ذلك امر شائع بين المحطات التي تقدم نسخا مكررة او ان صح التعبير برامج «مستنسخة» شكلاً ومضموناً، وتأكيد ذلك لا يحتاج الى ذكاء او دليل، فتلك الفضائح لا تقصر الفضائيات في بثها على الهواء تارة ومسجلة تارات اخرى يفصل في النهاية الى ذات النتيجة والهدف نفسه لا يتغير. ومع مذيعات اليوم انتهت الصورة النمطية للمذيعة الجادة المحترمة في مظهرها ومخبرها ـ المعتزة بعلمها وثقافتها، المتزنة في تصرفاتها، فتلك لم يعد لها وجود على شاشاتنا العربية التي اخذت منحى الهرج والمرج إلا القليل النادر فالبرامج تأتي مفصلة تفصيلاً بمقياس مذيعات هذه الايام، لتكمل كل منهما الاخرى. ومساء الجمعة الماضي قدم لنا جورج قرداحي مقدم برنامج «من سيربح المليون» نموذجاً حياً لسطحية بعض المذيعات عندما استضاف في حلقة برنامجه التي اعدت خصيصاً بمناسبة احتفال القناة بعيدها العاشر، استضاف مذيعتين شقيقتين قدمهما كعصفورتي المحطة واعطاهما من كلمات الاطراء احسنها، وتوقع المشاهدون الاستمتاع بمشاهدة مذيعتين جميلتين تطلان على الشاشة خارج اطار برامجهما المعتادة، مما يتيح للمشاهدين الوقوف على ثقافتهما والتعرف على شخصيتهما عن قرب والالمام بأسلوب تفكير جيل الشباب الذي تمثل الشابتان جزءاً منه، لكن هذا كله لم يحدث فقد صدمنا بأول القصيدة التي كانت كفراً بكل المقاييس وفي كل الشرائع، اذ فشلت الشقيقتان اللامعتان تلفزيونيا في الاجابة على سؤال عن اداة يخلع بها النجار المسامير من الخشب وجاء الفشل رغم الخيارات التي قدمها السائل وكانت «منشار ـ مفك ـ كماشة ـ فأرة» وهنا لم يجد مقدم البرنامج سوى ان يجيب على السؤال بنفسه، اذ لم يحدث قط ان خرج متسابق منذ البداية ومع السؤال الاول يأتي دوما تحت ما نسميه بالسهل من اجل الاستدراج والاستمرار. وتابع المقدم طرح الاسئلة التي كشفت عن ضآلة ثقافة هاتين المذيعتين وسط دهشة الحضور وصدمة الجمهور القابع امام الشاشة، واستمرت المهزلة حتى كانت بلوانا الكبرى في سؤال حول عدد الدول العربية التي تشترك حدودها مع تركيا.. فجاءت الاجابة من احداهن وهي تعد الدول فقالت ثلاث هي سوريا والعراق وايران «!!» هنا استوقفها مقدم البرنامج ـ وتساءل باستغراب.. وهل ايران دولة عربية؟ فأجابت: نعم.. وإلا؟! وعندما اخبرها ان ايران يتحدث شعبها بالفارسية وهي ليست دولة عربية ـ فقالت: احداهما: انها تشعر ان ايران ليست دولة عربية! فيما تساءلت الثانية.. عن جد..هي مش دولة عربية؟!! وانتهى السؤال المخزي.. وكأن جورج قرداحي ابى إلا ان يمعن في بث المزيد من الحيرة في نفوس المشاهدين وان يزيد الغصة في الحلوق ـ فطرح سؤالاً عن كاتبة سورية حفيدة رئيس وزراء سابق وهي مؤلفة رواية ايام معه ـ وتوقفت الخيارات بعد حذف اجابتين من اربع عند الكاتبتين غادة السمان وكوليت خوري. وتفلسفت احداهما في معرفتها بالاسر اللبنانية فأخبرتنا ان «خوري» اسم لبناني، اذن فإنها تستبعد ان يكون لعائلة سورية ولانها لم تسمع بأي من الكاتبتين ـ فإنها ترى ان الاجابة الصحيحة هي غادة السمان. هنا اضطر المقدم لوضع حد لهذا الجهل الفاضح وسطحية المعلومات لدى اثنتين من مذيعات المحطة قدمهما في البداية بشكل لطيف واطلق عليهما عصفورتي المحطة فاذا بهما وقد تحولتا في نهاية البرنامج الى مسخ وجهالة واساءة للمحطة فأعلن سريعاً ـ خطأ الاجابة والشقيقتان غير مصدقتين ما حدث. والمصيبة ان هذا الجهل لم يطل معلوماتهما الفنية حول شقيقة المطرب «مايكل جاكسون» اذ عرفتا الاسم قبل عرض خيارات الاجابات. السؤال.. هل امثال هؤلاء مؤهلات لان يقدمن برامج شبابية موجهة الى قطاع كبير من اهم فئات المجتمع؟ اما الجواب فإنه لدى اصحاب القرار في محطات التلفزيون وفضائياتها!! ويبدو ان عدوى الجهل والسطحية قد انتقلت من دائرة هاتين المذيعتين لتصل الى بعض المشاهدين ففي احد برامج المسابقات تردد متسابق في الاجابة عن سؤال حول اسم ذكر الدجاجة!! وهنا اقول ان الحق يقع على مقدم البرنامج مرتين.. الاولى لانه اختار مثل هذا السؤال الساذج والثانية لانه لم يساعد المتسابق اذ كان عليه ان يعطي وصفا للجواب كأن يقول ان حجمه اكبر من الدجاجة نفسها وعلى رأسه يوجد عُرف ويصيح كوكو.. كوكو.. واسمه يبدأ بحرف الدال وينتهي بالكاف وبينهما توجد ياء، وحبذا لو جاء مقدم البرنامج الى الاستوديو ومعه «ديك حي» يذبحه على شرف المتسابق اذا اجاب صوابا أو ينحره حزناً على سطحية السؤال والمتسابق وحبه للمغامرة على مرأى من خلق الله الذين يتفرجون عليه ويترحمون على ايام انتهى زمانها بعد استنساخ مذيعات درجة عاشرة ومتسابقين تحت الصفر.