يبدو ان موعد الضربة العسكرية الأمريكية ضد افغانستان قد اقترب، رغم فشل الولايات المتحدة في تقديم أي دليل مادي على تورط افغانستان في الهجمات التي استهدفت نيويورك وواشنطن الاسبوع الماضي. ويبدو ان الولايات المتحدة لم تعد تهتم او تلتفت للأصوات التي نادت وتنادي بالتعقل حتى لا يقع أبرياء ضحية الضربات الأمريكية وان تكون هذه الجهود في اطار سياسة دولية وتحت مظلة الامم المتحدة. والواقع ان هذا الامر هو مطلب عادل وعقلاني من جانب المنادين به، اذ انه لا يعقل ان تنسب تلك الاعتداءات الى جهة ما او شخص معين بحكم عدائه للولايات المتحدة او حتى اختلافه مع سياساتها أو توجهاتها على الساحة الدولية. والمطلوب في غمرة الاستعدادات الأمريكية لتوجيه ضربة عسكرية، نرى انها ستكون «ساحقة»، ان تلبي مطالب المجتمع الدولي، وتقدم الادلة القاطعة التي تثبت وتكشف المتورطين في هذه الجريمة، قبل ان توقع العقاب بهم بدون ادلة. ونعلم ان ذلك المطلب، صعب الهضم على الادارة الامريكية التي تتعرض لضغط عام قوي في الداخل يطالبها بالانتقام لضحايا نيويورك وواشنطن، كما انها ذاتها تشعر بعد الهجمات بأن هيبتها تعرضت للاهتزاز وكرامتها كقوة عظمى وحيدة اصيبت في مقتل، وبالتالي تغلب عليها نزعة الثأر لما حدث وممن تسببوا فيه من وجهة نظرها. لكن هذا الاتجاه وبدون اعلان الادلة القاطعة التي تدين المتورطين في الهجمات، له تداعيات خطيرة، سواء على امريكا ذاتها او على المتحالفين معها، حيث ستفتح ابواب الثأر منهم ومن مصالحهم المنتشرة في كل انحاء العالم، وسوف يستغلها البعض الذي يعارض امريكا وسياساتها في تصويرها على انها حرب دينية ومن ثم ستصبح ابواب الجحيم مفتوحة على مصراعيها. لذلك فان التعقل والتأني وعدم سيطرة نزعة الثأر والانتقام، افضل وسيلة قبل توجيه ضربات عسكرية لأي طرف سواء كان جماعة أو دولة، حتى لا تفتح جبهات جديدة الكثير في غنى عنها، وعن تداعياتها الخطرة. ان الرد على الارهاب والمتورطين به امر مشروع لمن اكتوى بناره، لكن يجب ان يكون الرد متعقلا وليس فتحا لابواب الجحيم على العالم كله، لأن الارهاب باستطاعته استنساخ نفسه في صور متعددة والقيام بأفعال غير متوقعة يكون الابرياء ضحيتها، فالارهاب والانتقام المضاد سيقودان العالم الى هاوية لا احد يعلم مداها الا الله سبحانه وتعالى. ومن ثم فلا بد من التعقل وما دامت الضربة لم تتم فلا بد ان تكون هناك أذن تسمع لأصوات الحكمة حتى لا يكون شأنها كشأن براقش التي جنت على نفسها وقومها.