اصبح تاريخ الحادي عشر من سبتمبر تاريخا جديدا يفصل بين مرحلتين، فقد شهدت المرحلة التي سبقت الحادي عشر من سبتمبر سياسة امريكية تسعى باتجاه الانعزال، وتسير في طريق اقل اهتماما بقضايا العالم المحيط وبقضايا الشرق الاوسط. الاتجاه نحو الانعزال، وهو اتجاه قديم واصيل في السياسة الامريكية، كان يعبر عن ذاته بأسرع من المتوقع واقوى من المقبول في سياسات الرئيس بوش الابن. لكن العملية الارهابية التي وقعت في الولايات المتحدة غيرت الاتجاه بشموله، واحيت في الامريكيين استعدادا كامنا للعودة الى العالم من الباب العالي والمفتوح بمعنى آخر احيت العملية في الامريكيين دورهم العالمي، واقنعتهم بان ترك العالم المحيط وقضاياه يحول مدنهم وحياتهم الى ساحات لقضايا العالم ولمشكلاته وعنفه. هكذا في الساعات المرعبة في الاسبوع الماضي اكتشفت امريكا كما اكتشف العالم تداخل الخارج بالداخل. وليس غريبا ان امريكا، تلك القاره الكبيرة المحاطة بمحيطات اكبر منها، كثيرا ما انعزلت في الماضي وراء حدودها، ولكن التاريخ الامريكي شاهد على ان تداخلها مع العالم جاء في الاساس بعد تحديها في بيتها وعلى ارضها. فهذه القاره التي لم تعرف احتلالا اجنبيا أو غزوا اجنبيا منذ استقلالها وتوحدها، هي قارة تتكون من قوة مؤسسات وحركة مجتمع لا يجمع عناصرها ويدفعها نحو مواجهة مفتوحة الا تحد كبير يهز مكوناتها ويهدد مسيرتها. وفعلا لم تتدخل الولايات المتحدة في الحرب العالمية الاولى الا في مراحلها الاخيرة وبعد ان شعرت بخطورة استمرار الحرب وخطورة سيطرة المانيا، وهي ايضا لم تدخل الحرب العالميه الثانية الا بعد تحديها واهانتها من خلال هجوم بيرل هاربر الياباني الذي اودى بحياة 2400 جندي امريكي، كما ولم تدخل الولايات المتحدة عالم الفضاء المكثف وعالم الابحاث العلمية المتقدمة الا بعد ان فوجئت باطلاق السوفييت لمركبة فضاء شهيرة عرفت باسم سبوتنيك عام 1959، بل ان ذلك التحدي ساهم بانتصار الامريكيين في الحرب الباردة. اليوم نقلت العملية الارهابية الحالة الامريكية من مرحلة الانعزال الى حالة المواجهة والقبول بالتحدي، وفي هذا نجد قوانين جديدة للعبة السياسية، اذ بدأت الولايات المتحدة تعد لحرب موسعة وطويلة، وبدأت تعد لمواجهة مع الارهاب، وبدأت تفرز الدول بحزم وبضغط واضح لم يعرف احد مثيلا له منذ عقود الحرب الباردة وفي اسوأ مراحلها. بمعنى آخر بدأت الولايات المتحدة في بناء تحالف يقوم على الموقف من الارهاب الدولي من النمط الذي اعتدى على البنتاجون ومبنى التجارة الدولي، الذي سقط فيه الالوف من القتلى الابرياء ومن بينهم افراد من اكثر من ستين جنسية اضافة الى الامريكيين، وتطالب الولايات المتحدة اليوم بتسهيلات دولية واقليمية واعتقالات وتبادل معلومات مما يساعدها في حربها هذه. بل نجدها تصر: بأن من يتعاون معها اصبح في صفها، ومن يرفض اصبح معرضا لحربها ومصنفا في صفوف الارهاب. في هذه المواجهة ستكون منطقة العمليات شاملة لمناطق كثيرة في الشرق الاوسط ستكون مختلفة عن كل ما عرفناه في السابق من حروب ومواجهات. فبينما ستكون الجوانب العسكريه العلنية والصاخبة جانبا منها، الا ان الجانب الآخر والاكبر سيكون في مصاف جمع المعلومات وتحليلها والطلب من الدول تلبية العديد من المطالب، بل من الواضح اننا عائدون الى حروب الاستخبارات والتصفيات التي ارتبطت بالخمسينيات من هذا القرن، ولكن هذه المرة في ظل تحالف دولي تقوده الولايات المتحدة وتتحكم في اتجاهاته ولديها اليد العليا فيه. وفي خضم كل هذه الاوضاع وفي خضم كل هذه التطورات وقعت اول مشادة هذه المرة بين حلفاء على قدر كبير من الاهمية، فبين اسرائيل والولايات المتحدة وقعت اول مشادة في الايام الاخيرة حول وقف اطلاق النار مع الفلسطينيين. اذ ضغط الرئيس بوش على شارون للقبول بوقف اطلاق النار وسط محاولة شارون التمرد وعدم تلبية الشروط الامريكية. بل قد يسجل ان شارون اول من رفض الشروط الامريكيه للمرحلة الجديدة، وهذا يعرضه لضغوط كبيرة قد تنجح في فرض التراجع عليه. وفي هذه الظروف لن ينجح شارون بتصفية القضية الفلسطينية كما يريد، فالامريكيون يسألون هذه الايام اسئلة كثيرة حول اثر القضية الفلسطينية في الطريقة التي ينظر بها الشرق الاوسط للولايات المتحدة. في هذا. هناك خوف اسرائيلي هذه الايام من ان يقع على اسرائيل الكثير او بعض اللوم من جراء ما يحصل، بل من الصعب بناء تحالف عربي امريكي على مستوى متقدم في ظل اعتداءات اسرائيلية ومواجهات، وهذا يضع ضغوطا كبيرة على اسرائيل لتهدئة اعمالها العسكرية، كما انه يضع ضغطا كبيرا على التيارات الاسلامية وغير الاسلامية في الاراضي المحتلة لايقاف عملياتها الاستشهادية خاصة في ظل هذه الاجواء الدولية والاقليمية. ان الرد الامريكي على تطورات الاسبوع الماضي يثير الكثير من ردود الفعل والاسئلة، فما مصير استقلال الدول؟ وما مصير الاجنحة المتطرفة للحركات الاسلامية؟ وما مصير الدول التي ترفض التعاون او سترفض الشروط الامريكية؟ وما مصير الدول التي ستعجز لاسباب داخلية عن تلبية الشروط الامريكية. ولكن السؤال الاكبر: ما مصير العرب والمسلمين ومصير طريقة نظرتهم للعالم الخارجي في ظل عصر متغير وعالم متحول وسياسات دولية جديدة؟ ـ استاذ في قسم العلوم السياسية ـ جامعة الكويت