تصفه المخابرات المركزية بأنه (مغارة خفافيش).. ويصفه البيت الأبيض بأنه (غابة استوائية من الطيور الجارحة).. ويصفه البنتاجون بأنه (قنفذ صحراوي خشن).. وهناك أوصاف أخرى يحظى بها أسامة بن لادن في الولايات المتحدة الأمريكية.. (الطاووس القاتل).. (الشبح المسلح).. (الشيخ الشرس).. لكن.. لا أحد في تلك الامبراطورية الجريحة يريد أن يعترف أنهم هم الذين قاموا بتحضير هذا (العفريت) وإن فشلوا في القبض عليه أو إقناعه بالانصراف والعودة الى (القمقم) الذي خرج منه. لقد كان ابن لادن في عين (المخابرات الأمريكية) هو نموذج (المجاهد المسلم الورع الذي يحارب الكفار الشيوعيين في أفغانستان).. في ذلك الوقت من منتصف الثمانينيات كان الاتحاد السوفييتي رمزا للشر.. وكان تورطه في أفغانستان الجبلية القاحلة فرصة ذهبية واستراتيجية للولايات المتحدة لاعلان حرب (تنكرية) تجهز فيها عليه.. فقد ارتدت ثياب (الوعاظ).. ورفعت شعارات (المجاهدين).. وأمسكت بمسابح (ألفية) وراحت تحصي بها خسائر (الجيش الأحمر) السوفييتي الذي دخل هو وبلاده مرحلة العد التنازلي نحو الهاوية. إن الدين كان دائما غطاء سياسيا وعسكريا منذ رفع الانسان رأسه الى السماء وعرف طريقه الى الله.. إن (الاسكندر الأكبر) وفر 20 ألف مقاتل من جيوشه عندما دخل (مصر) بحجة أنه جاء ليتعمد في معبد (آمون) ليصبح الإمبراطور ابنا للإله.. وحاول (نابليون بونابرت) أن يكرر الخدعة نفسها فأعلن أن (القرآن) ليس كتابا سماويا فقط وإنما كتاب سياسي أيضا.. ولم يتردد في أن يعلن أن (الرسول) جاء اليه في المنام وطلب اليه تخليص المسلمين من المماليك الفاسدين.. وساعة الجد دخل جنوده بالخيول جامع الأزهر. وأصر الرئيس الأمريكي السابق (رونالد ريجان) على استقبال وفود المجاهدين (الأفغان) في مكتبه البيضاوي في الدور الأرضي من (البيت الأبيض) ولم يتردد - وهو الممثل السينمائي السابق - في أن يتقمص دور (المتسامح الورع) ويحدثهم عن خبرته (الإسلامية) العريضة ويعدد لهم فضائل الصيام في شهر (رمضان) ويربط بين الصوفية الاسلامية والرهبنة المسيحية.. ولم ينس أن يكرر عبارة كتبت له في (السيناريو) الذي حفظه أمام المرآة وهي: (إن إعجابه بالإسلام تضاعف لأنه الدين الوحيد الذي يفرض على أتباعه الجهاد).. لكن.. هذا الإعجاب سرعان ما تحول - بعد أن سقطت الشيوعية وفقدت صلاحيتها كعدو استراتيجي من قائمة الكراهية الرأسمالية - الى كراهية عندما أصبح (الإسلام) هو العدو وتحول المسلمون من (مجاهدين) الى (إرهابيين). في تلك الأيام من منتصف الثمانينات ظهر على استحياء (أسامة بن لادن).. إن ما لفت الأنظار اليه هو ثراؤه الواضح.. فهو ابن مقاول (سعودي) شهير هو (محمد بن عوض بن لادن) تمتد جذوره الى (اليمن) يتمتع بسمعة طيبة أهلته لأن يقوم بعمليات التوسعة في (المسجد الحرام) في (مكة) و(المسجد النبوي) في (المدينة).. كما أنه نجح في الحصول على عقد من حكومة (الأردن) لترميم (قبة الصخرة).. وقيل أنه كان أحيانا يصلي في يوم واحد في هذه المساجد المقدسة الثلاثة. إن (أسامة) هو أصغر أبنائه.. فقد ولد في (يناير) عام 1957 لينتمي الى برج (الجدي).. برج (جمال عبدالناصر) و(أنور السادات) و(ريتشارد نيكسون).. ولد في حي (الملز) في مدينة (الرياض).. وقد توفي أبوه قبل أن يصل الى سن العاشرة.. ودرس في منطقة (الحجاز).. ثم التحق بجامعة (الملك عبدالعزيز) وتخصص في الاقتصاد السياسي.. وقيل أنه استكمل دراسته في (تركيا).. وقيل أنه عاش حياته بالطول والعرض ثم في لحظة واحدة انتقل من الضد الى الضد.. وأصبح رمزا للتطرف والتشدد.. وهو ما جعل أشقاءه يتبرأون منه وإن بقوا ينفذون وصية أبيهم ويعطونه حقوقه المالية كاملة.. وهو ما جعل بلاده تسحب جواز سفره وتضعه على قوائم المطلوبين.. خاصة بعد أن عارض تحرير (الكويت) بقوات أمريكية.. وكان أن زار بلاده للمرة الأخيرة في عام 1990 وعندما خرج منها لم يعد.. فقد كانت الرحلة في اتجاه واحد الى المجهول. ومنذ صغره وهو نحيف.. فوزنه الآن لا يزيد عن خمسين كيلو جراما.. وهو يعيش على حليب الماعز والتمر الجاف.. وهو نباتي لا يأكل اللحوم بأنواعها المختلفة.. وتبدو ملامحه حزينة.. ويندر أن يتذكر أنصاره أنه ضحك بصوت مرتفع.. وإن نجح بعضهم في تذكر أنه ابتسم.. ويتسم صوته أيضا بالضعف.. وهو يكره مكبرات الصوت.. لذلك فقد بذل رجاله جهدا واضحا ليسمعوه وهو يلقي بأبيات من الشعر في يناير الماضي.. في مدينة (قندهار).. وكان ذلك في مناسبة خاصة.. هي زفاف ابنه.. فكل أسرته - المكونة من أربع زوجات وثمانية أولاد - تعيش معه في جبال وكهوف (أفغانستان) وتتنقل معه من مكان الى آخر. كانت (أفغانستان) هي البداية.. ففي عام 1984 أسس (بن لادن) مكتبا لتقديم الخدمات للمجاهدين (الأفغان) في مدينة (بيشارو) وكان يسانده في ذلك الشيخ (عبدالله عزام).. وهو فلسطيني لمع اسمه فيما بعد عندما اغتالته المخابرات الاسرائيلية بعد أن أعلن الجهاد على (اسرائيل) وساند منظمة (حماس) بخبرته التي جاء بها من (أفغانستان).. وهي خبرة في حرب العصابات والتفجيرات والاغتيالات ليس من السهل الاستهانة بها لأن الذي قدمها كانوا خبراء يتسمون بالكفاءة العالية في (المخابرات الأمريكية).. وهذه الخبرة هي التي عانينينا منها في العمليات الارهابية التي اجتاحت (مصر) بعد نهاية الحرب في (أفغانستان).. ونفذها من أطلقنا عليهم (العرب الأفغان) وهم أيضا الذين أشعلوا الدنيا في باقي العالم العربي من (الجزائر) الى (اليمن).. وهؤلاء نقلوا بدورهم هذه الخبرة (الأمريكية) النادرة الى أجيال جديدة.. راحت تضيف وتبتكر. كان ابن لادن في تلك الفترة يتكفل بالتمويل.. فلم يكن مقيما إقامة دائمة هناك.. كان يكتفي بزيارات لا تدوم أكثر من شهرين في السنة.. لكن.. في نهاية عام 1986 أنشأ معسكرا وضع فيه المتطوعين (العرب) فقط.. وكان قريبا من الحدود الباكستانية في منطقة منبسطة وبها عيون مياه طبيعية هي منطقة (جاجيا).. وفي هذا المعسكر تدرب نحو 20 ألف شاب.. وكان برنامج التدريب على ثلاث مراحل.. تستغرق ستة شهور.. وكان المدربون من 25 جنسية مختلفة.. وجاءت البرامج مترجمة من (لانجلي) مقر وكالة المخابرات المركزية على بعد 15 ميلا من البيت الأبيض والبنتاجون. في هذا المعسكر الذي سمي (الأنصار) ولدت أسطورة (بن لادن).. كان المعسكر قد تعرض الى هجوم مكثف من القوات السوفييتية وانسحب معظم من فيه ما عدا (بن لادن) ومجموعة صغيرة لا يزيد عددها عن 18 شخصا.. ونجحوا في الصمود والبقاء على قيد الحياة اسبوعين تحت وابل من الجحيم.. وعندما خرجوا سالمين كانت الأسطورة قد طارت الى أنحاء العالم الاسلامي.. ودعم انتشارها أن صحيفة (واشنطن بوست) كتبت عنه تقريرا مطولا لم تنس فيه أن تضع على صدره كل أوسمة الشجاعة والبطولة.. ووصفته مجلة (نيوزويك) بأنه (سوبر مان تقي).. و(باتمان ورع).. و(جيمس بوند يصلي لله خمس مرات في اليوم). في حواره مع قناة الجزيرة قال ابن لادن: إن الدول العظمى خرافات يسهل تحطيمها بالأسلحة الصغيرة.. الألغام.. والقنابل اليدوية.. ومدافع (آر بي جي) المحمولة على الأكتاف.. إن أشد المدرعات صلابة لها نقطة ضعف يمكن النفاذ منها.. وكأنه يتحدث عن كعب (أخيل) الذي أمسكت به الآلهة من كعبه ووضعته في ماء الخلود الذي يحميه من السهام القاتلة.. وقد كان كل جسمه محميا إلا كعبه الذي لم يلمس ماء الخلود.. فكان نقطة ضعفه.. وموقع موته.. ويعتقد (بن لادن) أن الولايات المتحدة أضعف من الاتحاد السوفييتي.. فالامبراطوريات المترفة يسهل اسقاطها.. ويسهل إيلامها.. وهي نظرية شهيرة في تدمير الحضارات.. التدمير بالإفراط في المتعة.. والقسوة.. أما هو (بن لادن) فيرى أن قوته النفسية تضاعفت عندما فقد احساسه بالثروة والمبالغة في المتعة وسبل الراحة الجسدية وأصبح جزءا من الطبيعة حوله.. والطبيعة أرحم على الانسان من الماكينات والأجهزة المعقدة حتى لو كانت هذه الطبيعة هي جبال (أفغانستان) القاحلة.. القاسية. لم تنته الحرب في (أفغانستان) بهزيمة السوفييت وخروجهم منها فقد راحت فصائل المقاتلين تتصارع فيما بينها على السلطة فتحولت الحرب الى صراعات أهلية دموية وكأن الحرب قد أصبحت هدفا في حد ذاته.. وحاول (بن لادن) أن يوفق بين (الأشقاء الأعداء) ولكنه فشل في مهمته التي تولاها بعد اختياره رئيسا للجنة المصالحة.. وهو ما جعله يترك (أفغانستان) ويرحل الى (السودان) في صيف عام 1992. لكنه لم يستقر في (الخرطوم).. وإنما استقر في (عطبرة) وراح يشرف على زراعة نصف مليون فدان كان يتصور أنها ستنقله من القتال الى الزراعة وتنقل الفقراء من الحاجة الى الوفرة.. فالسودان - الذي يموت الناس فيه من الجوع - يمكن أن يكون (سلة طعام العالم).. على أنه لم يطق الاستقرار طويلا.. ولم يرتح بعيدا عن الخطر.. ولم يقدر على النوم دون أصوات الانفجارات.. فأعاد من جديد تنظيمه السري المسلح وأطلق عليه هذه المرة (القاعدة).. (القاعدة التي تنطلق منها جيوش المؤمنين لتحرير المسلمين من المشركين) على حد قوله. يقول تقرير مدير وكالة المخابرات المركزية (جورج تينيت): (إن ابن لادن يتمتع بقدرة كبيرة على فعل ما يريد) وأكثر ما يسعده (أن يعيش وسط مقاتليه) وهو قادر على التخفي بعيدا عن متناول أحد.. ولا يتحرك من منزل الى منزل إلا تحت حماية فرقة أمن مدججة بأسلحة ثقيلة وسيارات ذات دفع رباعي مظللة النوافذ.. ويقوم بمعظم أسفاره تحت جنح الليل ويندر أن يراه أحدا ويستخدم وسائل تجمع بين أكثر من قرن.. فهو يستخدم ظهور الجياد لنقل قرص كمبيوتر مدمج عليه شفرة مليئة بالمعلومات والتعليمات الى أي خلية من خلاياه في أي مكان في العالم. ولعل أكثر ما يحير الأمريكيون هي الشفرة التي يستخدمها (بن لادن) في عملياته.. فهو يستخدم كلمات أمريكية ومصطلحات اقتصادية.. فذات مرة أطلق على نفسه (مستر سام) أو (أونكل سام).. وكان ذلك آخر ما يخطر على بال الأمريكيين.. ووصف مكتب التحقيقات الفيدرالية باسم (صناعة الأغذية والمشروبات الأمريكية).. ووصف رجاله بأسماك (ألف ليلة وليلة) المسحورة.. في إشارة الى حكاية خرافية تتحول فيها الأسماك الى رجال يقفزون من مقلاة القلي. إن المخابرات المركزية وضعت (بن لادن) هدفا لا تحيد عنه منذ أن وقعت التفجيرات في المنشآت الأمريكية في (السعودية) في عام 1994 و1996 وزادت الرغبة في وضع أيديهم على عنقه بعد التفجيرات التي وقعت في سفارتي (كينيا) و(تنزانيا) في عام 1998. ورصدت الأجهزة الأمريكية نحو 10 ملايين دولار للتوصل اليه لكنها لم تفلح.. وهو ما جعلها تفكر في أن تنساه وتعيد النظر فيه.. وهو ما قالته مجلة (نيوزويك) في عددها 19 (يونيو) الماضي وأضافت: (إن مهارة بن لادن في المراوغة جعلت المخابرات الأمريكية تعيد التفكير في أسلوب تعاملها مع عدوها الأول.. لقد أدركت أنه يزدهر في عزلته.. وأن جهودها الفاشلة في مطاردته صنعت منه بطلا شعبيا في العالم الاسلامي.. بل أن مشاعر البسطاء في العالم غير الاسلامي وضعته في المرتبة نفسها بعد أن وجدت نفسها مسحوقة فيما يسمى بالعولمة الأمريكية). والغريب أن التقرير الأخير عن الارهاب الذي صدر عن الخارجية الأمريكية لم يشر اليه في الفقرة الخاصة بالتفجير الانتحاري لنسف المدمرة الأمريكية (كول) في (اليمن) وتفجير السفارتين في (كينيا) و(تنزانيا) وهي حوادث اتهمت الولايات المتحدة (بن لادن) علنا بالتورط فيها.. وتضيف (نيوزويك): (غير أن استراتيجية واشنطن الرامية الى إبعاد الأضواء عن بن لادن ربما جاءت بعد فوات الأوان ففي مخيمات اللاجئين الأفغان في باكستان أصبح اسم اسامة شائعا بين الأطفال وعلى واجهات المحلات التجارية وورش اصلاح السيارات). والحقيقة أن الولايات المتحدة لم تطق صبرا على تجاهل (بن لادن).. فقد وجدته الشماعة الجاهزة التي تعلق عليها ما جرى يوم الثلاثاء الأسود في نيويورك وواشنطن.. لقد رفضت الأجهزة الأمريكية المختلفة التوقف لفحص ما جرى ووجدت متهما جاهزا تلبسه الحادث الذي يجمع كل الخبراء على أنه نفذ بطريقة محترفة لا تتوافر لجماعة (بن لادن).. ولكن الى أن تتكشف الأسرار ويكون الجميع مستعدا لتقبل الحقيقة سيظل (بن لادن) الفاعل الخفي.. وهو ما ضاعف من نجوميته.. وسارع بتحويله من ارهابي ساهم في قتل المسلمين بواسطة من عرفوا بالعرب (الأفغان) الى بطل شعبي وأسطورة تستحق أن تتحرك لها كل جيوش القوة في العالم.. لقد صنع الأمريكيون منه (سوبر ستار).. ولن يكون من السهل اعادته مرة أخرى الى الظل. ـ كاتب مصري