هربا من توتر الاحداث والفوران المتتابع الذي يخلفه تحرك الاساطيل الحربية الامريكية باتجاه منطقة الشرق الاوسط، وحسبة التوازنات العسكرية التي توجع الرأس بين صواريخ حديثة موجهة تختار هدفها بدقة ولو كان ابرة في كومة قش، وبين حال الافغان الذين يهربون من بلادهم باتجاه الحدود المقفلة في وجوههم، وتعب بؤبؤ العين من شدة الالتصاق بشاشة الـ «سي. ان. ان» في محاولة لفهم لائحة الاتهامات التي ما زالت لجان التحقيق تنسفها وتعيد بناءها من جديد، ومجموعة الاسماء التي ظهر انها اتهمت خطأ وبدأ بتوجيه اعتذارات رسمية لها عبر السفارات والاتصالات المباشرة. نهرب اليوم نحو خبر نية وزارة الصحة الى استقدام خبيرة بريطانية من منظمة الصحة العالمية في نهاية شهر اكتوبر المقبل لالقاء محاضرات واقامة دورات تدريبية للعاملين في مجال التثقيف الصحي بهدف تعديل سلوكياتنا الصحية من اجل الحد من نسبة الاصابة بالامراض المزمنة كالسمنة والسكري والسرطان وضغط الدم، الخبيرة طبعا يفترض انها من خلال النشاط الذي ستقوم به خلال عشرة ايام من اقامتها بتأهيل العاملين في مجال التثقيف الصحي لكي يكونوا اكثر اقناعا وتأثيرا وهم ينصحونا بالابتعاد عن عادات مضرة بالصحة منها التهام «صواني المجبوس» في منتصف الليل، وبلع قطع الحلوى العمانية بلا حسابات لنسب السكر والكوليسترول. وبالتأكيد فان وزارة الصحة لم تعقد النية لاستضافة الخبيرة الا بعدما تحسست اننا لسنا تلاميذ مطيعين واننا لا نسمع الكلام ونخاطر بصحتنا ببلاهة ومصابون بشراهة و«نفس» مفتوحة لا نملك مقوماتهما، وادركت ايضا ان العاملين في مجال الصحة التثقيفية تنقصهم مسألة الاقناع والتأثير.. لكن خبر استدعاء الخبيرة يخيل اليك وانت تقرأه بأنك في مجتمع يسير فيه افراده محمولين فوق عربات تجرها خيول من شدة بدانتهم، كما يستدعيك الخبر الى تفهم مسألة صغيرة وهي ان الوزارة عجزت عن الاقناع فاحتاجت لخبرة خبير. وفي الحقيقة نحن نحتاج خبراء وخبرات على درجات عالية من التأهيل والتأثير ولا يهم من أي مكان تأتي لكننا نحتاجها في مكانها الصحيح، الملح، الضروري، الهام جدا، المؤثر جدا ايضا، لان كروشنا واناقاتنا صغيرة في الاولويات المطلوب التركيز عليها.. وبالنسبة للصحة مثلا قد يكون استدعاء خبيرة لاقناع الطلاب والطالبات بأهمية مهنة التمريض اهم بكثير خصوصا ونحن نواجه مسلسل هرب الممرضات الفلبينيات، وقد يكون استدعاء خبير يلقى محاضرات حول طبيعة العمل في اقسام الطواريء بالمستشفيات، ومحاضرات حول الاساليب الحديثة في معاملة المريض، ولقاءات تدريبية حول معنى الامانة الطبية اهم بكثير من كل ذلك.. وعلى العموم فان هذا كله لا ينفي ايضا اهمية ان يأتي الينا احد ليقول لنا كلوا هذا وصوموا عن ذاك..فنحن ما زلنا التلاميذ دائما!! halyan@albayan.co.ae