يمر الوقت من بين جوانبنا وأيدينا مروراً ويتدفق حاملا معه الكثير من الكلام واللهو والمسامرة والحكايات والقليل من العمل والجد والتواصل مع العوالم الأخرى، وبينما نرمي نحن تلك الثواني والدقائق والساعات وراء ظهورنا دون ان نعيرها اهتماما، يقتنص الآخرون اجزاء الثانية فلا يتركونها تمضي دون ان يقولوا نحن هنا، وخاصة اولئك الذين يعملون في تغطية الأحداث وصناعتها. ربما تلعب الصدفة أحيانا في كشف حقائق لو مرت هكذا ما فطن إليها أحد، ولكن من يستثمر اللحظة جاهدا يكسب دائما الرهان، وهذا القول ينعكس على اولئك الهواة الذين استطاعوا التقاط صور مختلفة من زوايا متعددة للحادث الذي تعرض له مركز التجارة العالمي في نيويورك يوم 11 سبتمبر الماضي، ذاك الحادث الذي اقام الدنيا ولم يقعدها بعد. إلا انه لولا فرقة موسيقية امريكية مغمورة لما شاهد أحد الطائرة الأولى وهي تقتحم المبنى بمن عليها من ركاب، فتلك الصورة المثيرة التي تسمرت عندها عيون العالم من اقصاه الى اقصاه عندما بثتها شبكة «سي. إن. إن» الأمريكية لم تكن سوى لمصور مجهول باعها إلى المحطة بثمن غير معلوم لتصبح اهم لقطة تاريخية لحدث غيّر العالم. الشاهد ان هذا المصور المغمور اغتنم فرصة العمر مرتين واستثمرها بشكل يفوق الخيال، الأولى عندما باع اللقطة المثيرة بشكل فوري إلى الـ «سي. إن. إن» والثانية عندما استثمر الاغنية بلقطاتها المرعبة ليعلن عن نفسه وعن الفرقة المغمورة التي اصبحت بين يوم وليلة على كل لسان في أمريكا.. واذا كنا نتحدث عن اللقطة المثيرة او الصورة الاسطورة فعلينا ان نتوقف عند محطات بعينها تكتسب الصورة من خلالها بعداً يفوق التصور وهذا ما حدث فعلا للقطات المؤثرة التي استطاع المصور الفلسطيني طلال ابورحمة التقاطها للطفل الشهيد محمد الدرة ووالده ليرى العالم ابشع صورة على مر التاريخ للوجه الصهيوني الغادر الذي اغتال ومازال يطعن الطفولة في مهدها امام عيون العالم. ولأن العالم اصبح لقطة مؤثرة سواء كان في امريكا او افغانستان او فلسطين أو اندونيسيا فقد غيب الموت في مايو الماضي صاحب اشهر صورة لتشي جيفارا المصور الكوبي ألبرتو دياز الشهير في الاوساط الصحافية والفنية باسم كوردا. وكانت صحيفة «لوفيجارو» الفرنسية قد ذكرت إثر رحيل كوردا أن صورة جيفارا بعدسته وحدها كافية لإشاعة أسطورة هذا المصوّر الذي ولد عام 1928 واختار اسم كوردا لممارسة هذه المهنة الشاقة. وكان كوردا قد بدأ حياته في تصوير الأزياء، الأمر الذي جعل الآخرين يعتبرونه في فترة من الفترات مصوّراً برجوازياً، إلا أن هذا الرأي والانطباع تغيّر بحلول عام 1959 وهو تاريخ صعود فيديل كاسترو إلى السلطة في كوبا حيث بدأ كوردا العمل في صحيفة «الثورة» حيث نشر تحقيقات وصوراً عن الشخصيات في الحكم، وكان يرصد بعدسته تفاصيل التحول المثير الذي شهدته كوبا. ولأن التاريخ لقطة، فقد شهد السادس من مارس من عام 1960 بالنسبة لكوردا تحوّلاً مثيراً، ففي ذلك اليوم شهدت هافانا جنازة عشر ضحايا قُتلوا في حادث انفجار، وكان كاسترو قد بدأ بإلقاء واحدة من خطبه وإلى جواره جان بول سارتر، وفجأة لاحظ كوردا بحسه الصحفي وهو متربص بعدسته تحت المنصة وصول تشي جيفارا فالتقط صورتين له واحدة طولية والأخرى عرضية وجد في تفاصيلهما نظرة الإصرار والمعاناة مرتسمة في وجه ذاك الطبيب الذي اختار النضال، لكن الصحيفة لم تنشر وقتها أياً من الصورتين. في العام 1967 مرّ الناشر الإيطالي جيانجيا كومو بهافانا فاستوقفته تلك الصورة التي أعاد كوردا تأطيرها فطلب نسخة منها، ولأن التاريخ أراد أن يقول كلمته فقد أعدم عساكر بوليفيا تشي جيفارا لتبدأ الأسطورة، بفضل صورة مهملة عمت تلك الأسطورة الأرض فقد استطاع كومو بما يملك من حس تجاري بتسويق صور جيفارا الذي ارتدى القبعة السوداء بينما خصلات الشعر الأجعد تتدلى ولعبة الضوء والظل المؤثرة ترسم نظرة متطلعة إلى البعيد يحدها الكبرياء والصمود. التاريخ لقطة وقلة من يرصد تلك التفاصيل ومن هؤلاء كوردا، إلا أنه رغم ذلك لم يحصل على فلس واحد من حقوق تلك الصورة الرائعة التي تحوّلت إلى بطاقات بريدية وطُبعت على القمصان وأُلصقت على السيارات.. تلك الصورة التي بلورت حقيقة جيفارا وتحدثت عنه بأفضل من كُتب ومجلات ضخمة. ولم يشعر الرجل بأي مرارة فقد كان كوردا بسيطاً وشديد الكبرياء، ومع هذا قام قبل سنة بملاحقة شركة أمام القضاء لأنها أرادت استغلال الصورة في الدعاية لنوع من أنواع الفودكا وقد تبرّع بالتعويض الذي قضت به المحكمة إلى إحدى المنظمات غير الحكومية. هكذا تكون الأسطورة مكتملة في الصورة والرجل وهكذا تكون الحياة ثلاث لقطات: ولادة، امتداد، موت، وقلة من تكون اللقطة الرابعة معهم.. إنها الأسطورة..!