لا تزال تداعيات تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر المأساوية في نيويورك وواشنطن تنبعث على غير مستوى في الداخل الامريكي أساسا، وعلى الصعيد العالمي عموما. ويتصدرها حاليا سعي امريكا الحثيث لتجييش العالم الذي يئن تحت وطأة أزماته المعقدة لمساندة حربها المزمعة تحت الشعار الذي اعلنته مسبقا باسم «العدالة المطلقة» او «العدالة بلا حدود»! هذه الحرب وعدت الادارة الامريكية بأنها ستكون طويلة المدى ضد دول وجماعات وعناصر مصنّفة ضمن لائحة الارهاب.واكدت بانها سوف تتخذ أشكالا وأهدافاً متعددة، وانها لن تقتصر على حرب تقليدية بل ستشمل تبادل المعلومات وتجنيد المخبرين واجازة عمليات الخطف والاغتيالات. ومن أجل ذلك كله، جهد الأمريكيون لاقتناص «موافقة على بياض» من أوسع اصطفاف دولي لانجاح حملتهم التي طالما حلموا بها. فكان يوم الثلاثاء الدامي فرصة سانحة وثمينة لتحقيق مايرمون اليه، ولو كان متشحا بسواد الكارثة ودماء الضحايا ونكبة الأهل الذين لم يجدوا أثرا لأحبتهم الراحلين والمفقودين بين الانقاض. وفي موازاة هذا المشهد الأمريكي الذي يذكّرنا بسلسلة هوليوودية من أفلام استعراض القوة ورمزها «رامبو» الاسطوري الذي يواجه «الشر والإرهاب تندلع حرب أخرى في ثنايا المجتمع الأمريكي ضد من ينتمي الى العروبة والاسلام او حتى كل من يحمل ملامح مشرقية. فهل هذه هي حرب «العدالة المطلقة»؟! وأيّة عدالة تلك التي تجعل الحقد العنصري والتمييز العرقي والصراع الديني شعارات لها! ثم أو ليس في ذلك تطاولا على ارادة الخالق سبحانه وتعالى الذي تتمثل فيه وحده «العدالة المطلقة»؟! وبالتالي، هل يحق لدولة ما اعتبار نفسها وصية على سائر الناس؟ اذا لم تكن تمارس العدل حقيقة في داخل مجتمعها اولاً وفي سياساتها الخارجية ثانيا. وكلنا شهد في الماضي ويرى حاليا التمييز العنصري الذي ينخر عميقا ضمن النسيج الأمريكي، الذي افرز ايضا صراعا طبقيا لم يزل قائما وان كان حراكه تحت الرماد حاليا، ولعل احزمة البؤس حول المدن الكبرى والحركة المناهضة للعولمة والفقر تعد من اسطع تجلياته. وكيف لـ «العدالة المطلقة» ان تطلق اذرعها الى أي مكان في العالم، فيما لا تزال شعوب مقهورة عديدة تئن من الفقر وتعاني من اغتصاب حقوقها في الحرية والاستقلال على مساحة كوكبنا. واذا كان من البديهي لأي انسان ان يكون نصيرا للعدالة ومعاديا للجرائم المرتكبة ضد الانسانية، فمن المنطقي ان تكون النظرة الى الارهاب واضحة، حتى لا تصبح الحرب المزعومة وكأنها معركة ضد اشباح وظلال. والاجدى ان تتم وفق منظار أممي يلتزم شرعة حقوق الانسان ومباديء الأمم المتحدة الواضحة تماماً في دعوتها لمنع الأذى عن المدنيين والأبرياء وحمايتهم في زمن الحرب. فهل نرى تطبيقا لهذا البند الانساني في «أجندة» العديد من البلدان التي تمارس إرهاب الدولة وعلى رأسها إسرائيل؟ وأخشى ما يخشاه الرائي الى المشهد العالمي الآن ان يتلاشى فيه منطق العقل والحكمة وسط استغلال تعاطف الناس حيال الأرواح البريئة التي أزهقت في نيويورك وواشنطن. والمؤسف ان التحذيرات من التسرّع التي يطلقها العديد من الساسة والمتابعين والمحللين غربا وشرقا، تقابل بإدارة الظهر من قبل الادارة الامريكية، التي دفعت مجتمعها الى حالة من الانعزال التام عن سائر ما يجري في العالم، واستنفرته تحت شعار «الدفاع عن الوطن الامريكي وقيم الحرية» حتى بلغ الأمر حد «العسكرة»! ولم يتوقف الأمر عند هذا المآل اذ تسود امريكا هذه الايام حالة بوليسية تتيح لـ «إف. بي. آي» توقيف اي كان والتحقيق معه، واللافت ان المستهدفين بهذه الحملات هم العرب والمسلمون من مواطني امريكا. وتجاوز الهوس حدوده، حين اعدت مؤسسة «كلير تشانيل كومونيكيشن» الامريكية، التي تملك 1172 محطة اذاعية لائحة تضم 150 اغنية من «غير المناسب حاليا» اذاعتها عبر قنواتها في الولايات المتحدة ومن بينها أغنية «يا قدس» للمطربة فيروز التي تبثها الشبكة على بعض قنواتها من ضمن اغنيات بلغات اجنبية لكل من جون لينون ولويس ارمسترونج وغيرهما. وبرر مدير احدى المحطات الاذاعية ذلك بتجنب الحديث عن الحروب والطائرات والانفجارات والانهيارات والموت او اي عنوان يرتبط باحداث الثلاثاء الدامي. الى هنا وصلت الامور، فهؤلاء الفنانون الذين مرّت الحرب في اغنياتهم انما كانوا ينشدون من أجل ان يعم السلام، وفيروز حين انشدت للقدس السليبة كانت تدعو الى العودة والحرية للشعب الفلسطيني المشرد من أرضه بوعد من بلفور البريطاني الذي تسلّم منه الامريكيون «أمانة» وضعوها بأعناقهم وكرّسوها بعرى وثيقة مع المحتلين الصهاينة. فكيف إذن لدولة تحضّر نفسها لحرب من أجل الحرية والعدالة، ان تسمح بانتهاك أبسط الحقوق المدنية لشعبها اولا، وتتغاضى عن المظالم التي تلحق بالشعوب الاخرى وفي مقدمتها شعب فلسطين، وتخوض حربا بواسطة رأس هرمها شعارها التمييز في العرق والدين واللغة، ولن يقتنع كثيرون اذا فسّرت بعدها على انها زلة لسان! Email: Ismail_haidar@yahoo.com