بينما تنهمك واشنطن في مسعاها المحموم لبناء تحالف دولي ينطلق بقيادتها في حرب طويلة المدى على كل ما يعتبر في المنظور الامريكي الاحادي نشاطا ارهابيا يهدد استقرار العالم، استحضرت في ذهني اسماء البلدان العربية والاسلامية فلم أجد شعبا عربيا او مسلما واحدا ليس له ضغينة مؤسسة ومشروعة ضد الولايات المتحدة. هناك بالطبع شكاوى مشتركة لغالبية الشعوب العربية والاسلامية من ابرزها المساندة الامريكية التقليدية لأنظمة استبدادية قمعية معظمها ذات طابع انقلابي ومع ذلك فان لكل شعب عربي او اسلامي على حده ظلامته الخاصة ضد الدولة العظمى. كما هو معلوم فان هناك خمسة شعوب عربية ذات علاقة مباشرة بالصراع العربي الاسرائيلي وهي شعوب فلسطين والاردن ومصر وسوريا ولبنان، وبينما تتحالف الولايات المتحدة علنا مع اسرائيل لمنع الفلسطينيين والسوريين من تحرير اراضيهم من قبضة الاحتلال الاسرائيلي، فانها تتخذ موقفا عدائيا سافرا وثابتا ضد المقاومة الشعبية اللبنانية لنجاحها في استرداد ارض الوطن بعد حرب تحريرية ضد اسرائيل، ذلك ان «حزب الله»، رأس الحربة في المقاومة اللبنانية يبقى حتى الآن في نظر واشنطن تنظيما ارهابيا. اما مصر والاردن اللتان ابرمت كل منهما معاهدة سلام مع الدولة اليهودية فانهما مازالتا تتطلعان الى وعود امريكية بذلت بسخاء لاحداث نقلة نوعية من الانعاش الاقتصادي برؤوس اموال ومعونات لم يتحقق منها الا بنسبة قطرات الى محيط. حتى الديون الامريكية على الدولتين لم يشطب منها الا قدر رمزي، وهكذا باتت «مكافأة السلام» مجرد اسطورة. وشعوب ليبيا والسودان وايران تبقى مستهدفة بعقوبات امريكية تتجدد سنويا، لا لسبب الا لان كلا منها اتخذت نهجا استقلاليا في علاقاتها الدولية. وتبقى العقوبات الاقسى والاشد دمارا من نصيب العراق، ورغم موت نحو مليون طفل جوعا او مرضا، تظل الولايات المتحدة القوة الدولية المحركة لابقاء هذه العقوبات الى الأبد، من اجل تدمير كيان عربي مهم في معادلة الصراع العربي الاسرائيلي. اما بالنسبة الى باكستان فان الموقف الامريكي تجاه قضية الشعب الكشميري المسلم يظل متماثلا مع موقف واشنطن تجاه قضية الشعب المسلم الآخر في فلسطين. وكما ان هناك قرارات للأمم المتحدة تنص على جلاء القوات الاسرائيلية عن الاراضي العربية المحتلة، فان هناك قرارات دولية مماثلة تنص على حق الشعب الكشميري في تقرير مصيره عن طريق استفتاء شعبي، وبينما تحظى اسرائيل بدعم امريكي صلب وثابت في رفضها تطبيق القرارات الدولية، فان الهند تحظى بمساندة امريكية مماثلة في مواصلة احتلالها اراضي كشمير المسلمة. وبناء على هذه القائمة لوقائع التطفيف الامريكي، كيف تتوقع الولايات المتحدة ان تتجاوب الشعوب العربية والاسلامية مع دعوتها الى تشكيل ائتلاف دولي لمكافحة ظاهرة الارهاب العالمي كما تحدد ملامحها واشنطن؟ لقد ظلت الولايات المتحدة خلال اكثر من نصف قرن منذ نهاية الحرب العالمية الثانية تسخر كل ما تملك من موارد عسكرية واقتصادية ودبلوماسية واعلامية في سبيل قمع واحباط الآمال والطموحات المشروعة للشعوب العربية والاسلامية ومن اجل ذلك حاربت عبد الناصر والناصرية، ورتبت تحالفا تحت رعايتها بين اسرائيل وايران الشاه لصد تيار القومية العربية، وكرست الفقر والتخلف في اوساط شعوب الامة العربية والاسلامية كافة. وفي كلمة واحدة نقول ان العرب والمسلمين ضحايا الارهاب الامريكي.